يبدو لي أن البحث العلمي يُعد من أكثر الملفات إرباكاً في جامعاتنا المعاصرة، إذ من الواضح أن الجامعات حالياً لم تَعُد تعاني من ندرة الإنتاج العلمي كما كان سابقاً، فعدد الدوريات يتزايد، وقواعد البيانات تتسع، وحركة النشر تتسارع، وأصبح حضور البحث العلمي في التصنيفات ومؤشرات الأداء جزءاً أصيلاً من التخطيط الاستراتيجي للجامعات، و-هنا- يتبادر إلى ذهني سؤال واقعي أكثر من كونه فضولياً يهدف إلى بناء رؤية ناتجة من تعدد الإجابات و(تضاربها)، هذا السؤال الملحّ في ذاكرتي منذ زمن يُعمّق مسؤولية الجامعات تجاه ما يُكتب داخل أروقتها، ويُنشر باسمها، ويُصنّف ضمن أنشطتها.. هل ازدياد النشر يعني - بالضرورة - ازدياد ما نعرفه؟
لا أقصد من سؤالي هذا التشكيك في قيمة النشر العلمي، أو التقليل من أهمية المؤشرات الكميّة في التصنيف العالمي، لكنني - في واقع الأمر - أحاول جاهداً الفصل بين ثلاثة مفاهيم ربما تتداخل كثيراً في أقسام البحث العلمي ومؤسساته: الإنتاج العلمي، والقيمة المعرفية، والأثر.
رؤيتي في حركة النشر والإنتاج العلمي الحالي، ومن خلال متابعتي وتحكيمي لعدد كبير من الأبحاث العلمية بهدف الترقية أو النشر، يتضح لي أن الجامعات تفكر بالنشر (الكمّي) أكثر من تركيزها على الإضافة المعرفية، ربما يكون البحث منهجياً ومنشوراً ومحكّماً في أوعية نشر رصينة، لكنه اجترار لموضوعات لم يَعُد البحث فيها نافعاً، لأنها - ببساطة - لا تُصحح فهماً، ولا تبني نظرية، ولا تغيّر ممارسة، ولا تُقدم حلولاً لوقائع تحتاج إلى بحث رصين، وتفكير عميق.
ولهذا فطموح الجامعة ينبغي أن يكون غايته إنتاج المعرفة التي يصعب الاستغناء عنها، وهذا لا يمكن أن يستند إلى الوفرة البحثية بقدر ما يعتمد على (بعث) المعرفة الجديدة، وتحليلها، وفي حسبانها تضع أنه ليس كل موضوع لم يُبحث في سياق محدد يُعد فجوةً معرفية حقيقية يُراد تعميقها والبحث فيها، واقعنا البحثي يعكس اتساعاً ملحوظاً في الإنتاج البحثي أفقياً من خلال تكرار موضوعات متقاربة (مقصود أو اضطراب فهم)، أو تطبيق نماذج مألوفة على عينات مختلفة، دون أن يكون ثمّة توسُّع مماثل في العمق النظري والتفسير، و- هنا - فقط يظهر الفرق الحقيقي بين الجِدّة الشكلية والأصالة المعرفية.
الرسالة الحقيقية للجامعات تكمن في إضافة إمكانات جديدة للفهم، وأصول معرفية تعتمد على التفكير الإبداعي، والمنطلقات العلمية التي تستدعي الأصالة، وتواكب التطور بثوب قشيب يعكس تقدم الجامعة، واهتمامها بسبل التطور، وطرائق النبوغ.
الضوابط الحقيقية للبحث العلمي والإنتاج والنشر (المصنّف أو غيره) في الجامعات يجب أن يستند إلى أسس واضحة، تؤكد بجلاء أن المعرفة الأصيلة، ومواكبة التطور غاية بحثية مهمة، وليس المسعى إلى التكثيف الذي يكون مآله الأرشفة والنسيان، ولهذا فعندما يعرف الباحث سلفاً أن تقدمه المهني سيُقرأ من خلال مجموعة محددة من الأرقام، فإنه - بوعي أو دون وعي - يبدأ في مواءمة سلوكه البحثي معها، وفي تلكم الحالة ربما تلجأ الجامعة إلى جعل ما يكتبه الباحث أصلاً يُقاس عليه، وهو ما يُخالف إعلانها الصريح بأن الأصالة أولوية، وأن الابتكار هدف، وأن معالجة المشكلات الكبرى جزء من رسالتها.
أيها الباحثون.. لو اختفى عدد كبير من بحوثنا المنشورة، أو غابت الرسائل العلمية التي ازدحمت بها أروقة الجامعات ماذا سنفتقد؟ وماذا ستخسر الجامعات؟ وهل ثمّة أثر سيغيب؟
الإجابة ربما لا تروق، لكنها تستحق أن نتوقف عندها طويلاً..!
*أستاذ بكلية الآداب واللغات - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


