من نافلة القول التحدث عن علمية ابن تيمية ومكانته ومكنته في العلوم، ولكن ثمة أمرٌ نجريه ونعمله مع كل علماء الأمة دون استثناء، بمن فيهم أجلة الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- وهو ما نُقل عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعاً، أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) بلفظ: «ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع، غير النبي ﷺ» وهو ما نُقل معناه عن الإمام مالك: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب ذلك القبر»، مشيراً لقبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال السخاوي في (المقاصد الحسنة): «هذا القول مأثور عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة». ونقلها عن مالك وذكرها جمع غفير من أهل العلم، كابن عبد البر، والغزالي في (الإحياء)، وغيرهما، لبيان أن العصمة لمن لا ينطق عن الهوى ﷺ، وأن اجتهاد غيره يُعرض على الكتاب والسنة، فيُقبل صوابه ويُرد ما خالف الدليل.
هذا الإجراء بات عسيراً في التعامل مع نصوص ابن تيمية الثابتة عنه، وغير الثابتة التي يستشهد بها كثير من المتطرفين، سواء المتطرف الذي خرج شاهراً سلاحه، أو المتطرف «القعدي»، الذي يشكّل مجتمعاً داخل مجتمع.

تلك النصوص التيمية التي يتكئ عليها هؤلاء -بغض النظر عن سياقاتها وصحة دلالتها على ما ذهبوا إليه- تبقى نصوص بشر غير معصوم، فإذا عارضت أو أوهمت التعارض مع كليات الشريعة ومقاصدها لا يمكن أن نكلّف أنفسنا عسر توجيهها وضبطها. فعند البعض لا يجد غضاضة من رد أقوال صحابة أو تابعين -بإحسان للصحابة- أو الأئمة الأربعة، بينما يجد حرجاً في تخطئة ابن تيمية أو تلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي -وهما للتمثيل فقط-.
 لقد نشأت في مدرسة علمية جلّ مشايخها من مدرسة ابن تيمية، إلا أنهم يتفاوتون في درجة الاعتصام بها وتبجيلها، وأخفهم كان الذي ينفي كثيراً من النقولات المنسوبة له في مجموع الفتاوى، الذي جمعه عبد الرحمن بن قاسم النجدي وولده، وقد سمعتُ منهم بشكل مباشر أن نقولات عن ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) لا تصح وليس لها أسانيد عنه.

قرابة عشرين عاماً قضيتها -من ستة وثلاثين عاماً في طلب العلم- في مجادلة ومناقشة المتطرفين والفئة الضالة، كنت أحشر نفسي في زاوية (استرجاع خطاب ابن تيمية) من هؤلاء المتطرفين، وأكلّف نفسي في التعامل مع نصوصه كأنها وحيٌ منزل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأبحث وأفتش في نصوص كلامه عن المخصّص للعام، والمقيّد للمطلق، والمبين للمجمل، والقديم لأعتبره منسوخاً بالجديد. وكل هذه القواعد أصلاً لم توضع إلا للنص المعصوم، لا لكلام غير المعصوم الذي لا غضاضة في رده لمخالفته. ولكن كانت الهالة العظيمة التي نشأنا عليها هي تعظيم نص ابن تيمية عملياً -حتى لو كنَّا نقرر أن لا أحد معصوماً إلا الوحي- فكنت دائماً أحاول استرجاع ابن تيمية من استخدام هؤلاء، وهذا هو سبيل جُل علماء وطلاب علم هذه المدرسة، مع أن هذا التكلف لا نصنعه مع من هم أجلُّ من ابن تيمية، فبمجرد مخالفة نصوصهم لكليات الشريعة ومقاصدها، نقول: العبرة بالنص من كتاب وسنة، مكتمل ومستوفٍ للشروط: من ثبوت النص، وصحة دلالة مأخوذة من تمام السياق لا اجتزاء النص من سياقه، والنظر في الكليات وإرجاع الجزئي للكلي، والنظر في مناط الحكم ومآله، ثم سلطة التنزيل ومن يملكها.


فعندما نجد في نصوص ابن تيمية المستغلّة من خطاب التطرف التكفيرَ في فروع الفقه أو فروع العقيدة، فما الداعي أن أتكلف في استرجاع ابن تيمية؟ لماذا لا نقول: بشر وخالف؟! لماذا انطلق في التعدي على من خطَّأ ابن تيمية فيما أخطأ وخالف فيه جماهير العلماء من المتقدمين واللاحقين ومن معاصريه؟ وأصف ذلك الذي خطأ ابن تيمية بالجهل ومناصرة البدعة، بالرغم ذلك المُخَطِّئ لابن تيمية لم يخالف أصلاً من أصول الدين، ولم يُحدث بدعة، لا في العقائد ولا العبادات، غير أنه لم يقبل قول ابن تيمية المخالف سواء في الفروع الفقهية أو فروع العقائد.
لقد كان المستشرقون الأكثر احتفاء بتلك النصوص المنقولة عن ابن تيمية في مواطن التشدد والحدة مع المخالف في العقائد والفروع، ولا تغني بعض النقول المنقولة عنه في التفريق بين تكفير المعين وغير المعين، وما ينقل عنه في خطابه لبعض أرباب المقالات بقوله: «لو اعتقدت اعتقادكم لكفرت، ولكنني لا أكفركم لأنكم جهال»، فهي نقولات تعتبر في التطبيقات العملية في نصوصه المستشهد بها لدى خطاب التطرف تغرق في بحر متلاطم من النصوص الحادة.
لسنا مكلفين بأن نسترجع ابن تيمية ونحاول إقناع المتطرفين بأنه لم يقصد ما استشهدتم به من كلامه، ولا مجمله يحمل على مبينه، ولا مطلقه على مقيده، ولا عامه على خاصه، ولا قديمه على جديده. فهو بشر يخطئ ويصيب.
ولندع التهديد بـ: «من أنتم عند ابن تيمية؟!»، اعتبرنا يا أخي لا شيء، ولكن عليك أن تحترم النص الشرعي بكلياته ومقاصده، وطابوراً من قامات العلم من عهد الصحابة وصولاً لزماننا هذا.
لا تدّعِ محاربة التقليد للأئمة الأربعة وغيرهم من الأجلة، ثم تمارسه بكل عنف وتعطيل لخطاب العقل الذي هو مناط التكليف عندما يصل الأمر عند ابن تيمية أو من جاء بعده وتعصب له.
ثم إن هناك من نصوص ابن تيمية التي تناقض التشدد المنسوب له في (مجموع الفتاوى) وغيره ومن سيرته، ما لو عرض مع تجريده من اسم صاحبه، لانطلق المتطرف بتكفير أو تبديع صاحب القول أو الفعل. فلو قلنا لهذا الغالي في نصوص ابن تيمية: ماذا عن عالم أوصى بأن عند موته لا يلي تغسيله وتكفينه غير عالم معين وسماه، وثبت أن هذا العالم الموصى به قد حلف على المصحف أنه على العقيدة الأشعرية، وكتب بخط يده أنه أشعري؟ أكاد أجزم أن القوم سيكونون بين منطلق مهرول لتبديع هذا العالم، لأنه أوصى لأشعري كما يبدع الأشاعرة، وبين من سيقول: لعله لا يعرف ضلال الأشاعرة فاغتر بهم فهو جاهل. والحقيقة أنه لا ابن تيمية جاهل ولا هو أشعري عندما أوصى بذلك لجمال الدين المزي الذي أقسم على المصحف أنه على مذهب الأشاعرة عند توليه نظارة دار الحديث الأشرفية. فقد نقل ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية) -وكذلك نقلها غيره من مؤرخي الشام كابن عبد الهادي والبرزالي- أن ابن تيمية لمّا أحسّ بدنو أجله وهو في قلعة دمشق، أوصى بأن يتولى غسله الحافظ المزي.
وردّ النص الحرفي لتفاصيل وفاة ابن تيمية وما يتعلق بوصيته وتغسيله في كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير (ضمن أحداث سنة 728 هـ).
ونقل حادثة ولاية المزي للمدرسة الأشرفية تاج الدين السبكي وغيره.
كما أن هناك نصوصاً منقولة عن ابن تيمية أوصلها بعض العلماء إلى حد نفي الثابت القطعي من القرآن، كقوله بفناء النار والذي مؤداه في النهاية أن كل الخلق إلى مصيرهم الجنة وانقطاع العقاب، وكان اعتماد مذهبه في ذلك القياس العقلي، حيث قرر أن رحمة الله الواسعة تتنافى مع العقاب الأبدي، ومن المعلوم أن هذا النوع من القياس هو قياس عقلي منطقي، وابن تيمية ممن يشنع على المنطق والفلسفة على الرغم من أنه متشرِّب بها، وبها صال وجال على الفلاسفة أنفسهم والذين عابوا عليه عدم هضمه لكثير من مباحثها وأقيستها، وكذلك تبنيه لأقوال للفلاسفة حكم بعض العلماء بأنها كفر، كتسلسل حوادث لا أول لها، والذي هو عمدة من قال بقدم العالم مع الله، وهو من الأمور الثلاثة التي كفَّر بها الغزالي الفلاسفة الذين قالوا بهذا القول في كتابه (تهافت الفلاسفة). ولسنا هنا في صدد تحلیل وعرض هذه النصوص -وهي ثابتة في كتبه المنسوبة إليه- وإلا فالمقام يطول، والمقصد من هذه الإشارة والإلماحة هو عدم الغلو في ابن تيمية ولا غيره من العلماء.
ولا يكفي أن نقرر هذا نظرياً وعند الجانب العملي نحوِّل نصوص ابن تيمية إلى نصوص مغلقة محصنة، بل التهم جاهزة لمن يتجرأ على تحليلها وتحليل شخصية ابن تيمية والظروف التي أحاطت به والسياق التاريخي الذي عاش فيه.
خلاصة القول: لسنا بملزمين باسترجاع أحد ولا إجهاد النفس بأن نصوصه ليس فيها خطأ، فالعلماء جميعاً بشر، من وافق منهم الشرع بكلياته ومقاصده القطعية التي أجمع عليها علماء الأمة من لدن النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى زماننا، نهضنا بقوله واستأنسنا به، ومن خالف منهم ترحمنا عليه ودعونا له بالمغفرة، دون تكليف لأنفسنا عناء الاسترجاع والمقاومة وليّ نصوص العالم وتطبيق القواعد العلمية -على كلامه- التي وضعت أصلاً لنصوص الوحي -الكتاب والسنة- التي يستحيل تعارضها من كل وجه، لا نصوص البشر التي تعرُض عليها العوارض البشرية.
فرحم الله العلماء جميعاً، وتجاوز عمن أراد وقصد الحق ولم يصبه، فهم جميعاً بين الأجر والأجرين.