في البرازيل، تصدر فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، متقدماً على لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، المعروف بـ «لولا»، والذي كان يُعتبر المرشح الأوفر حظاً للفوز.
وتأتي هذه النتيجة على الرغم من أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبرازيليين تحسنت في عهد «لولا». إذ شهدت البرازيل في عهده نمواً بنسبة 3% سنوياً، وانخفض معدل البطالة من 9.3% إلى 5.6%، وهو أدنى مستوى له على الإطلاق. كما تراجع معدل الفقر من 32% إلى 23%. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أيضاً الانخفاض الكبير في تقلص مساحة الغابات في منطقة الأمازون.
لكن، ما هي الحجج التي ساقها فلافياو بولسونارو للطعن في سجل «لولا»؟ لقد ركز بشكل أساسي على أرقام انعدام الأمن ومناخ العنف الذي تعاني منه البرازيل، لكن حتى في عهد جايير بولسونارا عانت البرازيل من التحديات ذاتها.
والواقع أنه ما زال بإمكان «لولا» أن يأمل في تدارك الفارق مع منافسه في الجولة الثانية التي ستُجرى في أواخر أكتوبر، غير أن البرلمان البرازيلي انحرف نحو اليمين، وكذلك فعل العديد من حكام الولايات، وهو عامل في غاية الأهمية في هذا البلد الذي يعتمد نظاماً فيدرالياً.
ولا شك أنه في حال فاز فلافيو بولسونارو في هذه الانتخابات، فإن ذلك سيمثل نجاحاً هائلاً لدونالد ترامب، الذي لم يحقق الكثير من النجاحات في مجال العلاقات الدولية في الآونة الأخيرة. كما أن سقوط آخر معقل كبير لليسار في أميركا اللاتينية سيعني أن القارة بأكملها قد عادت إلى نفوذه.
في ديسمبر 2025، نشرت الولايات المتحدة استراتيجية أمنية وطنية تتعلق بأميركا اللاتينية تم التركيز فيها على إعادة تطبيق عقيدة مونرو، وهي العقيدة التي كان الرئيس جيمس مونرو قد أسسها في عام 1823 لمنع الأوروبيين من التدخل في شؤون القارة الأميركية. غير أن الرئيس تيودور روزفلت أدخل عليها نوعاً من التعديل في عام 1904، إذ حوّل سياسة تقوم على عدم تدخل الأوروبيين في الشؤون الأميركية إلى سياسة تقوم على تدخل الولايات المتحدة في شؤون كل القارة الأميركية.
صحيح أن تزايد قوة دول أميركا اللاتينية والتطور التدريجي لسياسة الولايات المتحدة الخارجية أديا إلى تخفيف حدة هذه العقيدة بعد الحرب الباردة. غير أن دونالد ترامب لا يخفي رغبته في إعادة إحياء هذه العقيدة، بل إنه ذهب إلى حد تسميتها بـ «عقيدة دونرو»، من خلال دمج اسمه الأول، دونالد، مع اسم مونرو. وهدفه الرئيسي هو الحد من النفوذ الصيني في أميركا اللاتينية، حيث أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لجميع دول أميركا اللاتينية باستثناء المكسيك.
وفي هذا السياق، قامت الولايات المتحدة، بطريقة غير قانونية ومثيرة في الوقت نفسه، باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الذي كان يعارضها ونقلته إلى سجن في نيويورك في يناير الماضي. وفي الشهر التالي، اختارت كولومبيا رئيساً مؤيداً لترامب، هو أبيلاردو دي لا إسبرييلا، بدلاً من المرشح اليساري. وفي بيرو، وبعد احتجاجات ومسيرات، أُعلنت كيكو فوجيموري، المؤيدة لترامب، رئيسة للبلاد أيضاً. وقبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، كان مناصرون للرئيس الأميركي يتولون بالفعل زمام الأمور في بلدانهم في الأرجنتين والسلفادور والإكوادور.
والواقع أن إدارة ترامب تدعم بشكل صريح المرشحين الذين يخدمون مصالحها في المنطقة وتحاول تغيير المشهد السياسي لصالحها. ففي البرازيل، تعرض القاضي المكلف بقضية جايير بولسونارو لعقوبات من قبل واشنطن في ديسمبر 2025. وباستثناء المكسيك، التي تظل مع ذلك من الدول التي تعتمد بشكل كبير على السوق الأميركية التي تشكل 80% من صادراتها، ظلت البرازيل في عهد «لولا» الوحيدة التي تقف في وجه دونالد ترامب. ولذلك، فإن فوز فلافيو بولسونارو في الانتخابات، في حال حدوثه، لن يشكل حدثاً سياسياً برازيلياً فحسب، بل صدمة جيوسياسية للقارة الأميركية اللاتينية بأكملها وعلى الصعيد العالمي.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس


