خاض دونالد ترامب حملتَه لانتخابات التجديد النصفي برسالة واحدة لا لبس فيها: «تخيّلوا أن اسمي مدرج في بطاقة الاقتراع». وقد استجاب الناخبون الأميركيون لتلك الدعوة، ففي واحدة مِن أشد هزائم التجديد النصفي التي يتعرض لها حزب حاكم منذ عقود، حيث رفض الناخبون الرئيسَ وحلفاءَه «الجمهوريين». «ولم يكن ما حدث مجرد انتصار للحزب الديمقراطي، بل هو أشبه بتسونامي أزرق اجتاح أميركا. وكان حجم التحول لافتاً، ففي تكساس، فاز جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ، وانتزعت جينا هينوخوسا منصبَ حاكمة الولاية، متغلبَين على حملة سياسية ومالية هائلة. وفي ميشيغان، أصبح عبد السيد أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي. أما كانساس، فانتخبت الديمقراطي آدم هاميلتون لعضوية مجلس الشيوخ للمرة الأولى منذ عام 1932، منهيةً بذلك احتكاراً جمهورياً استمر لأكثر من تسعة عقود. وفي ساوث كارولاينا، خسرت دارلين غراهام، شقيقة السيناتور الراحل ليندسي غراهام، والمرشحة التي حظيت بتأييد ترامب، محاولتَها الفوزَ بولاية كاملة في المنصب. وهذه ليست سوى بعض النتائج اللافتة، إذ لا يزال فرزُ الأصوات مستمراً في عدد من السباقات الانتخابية.
وتتضح الصورةُ الأوسع، فقد سيطر الديمقراطيون على كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ. وبات بإمكانهم عرقلة جزء كبير من البرنامج التشريعي للرئيس، ومراقبة إدارته، واستخدام التحقيقات البرلمانية لفرض قدر من المساءلة التي غابت كثيراً خلال العامين الماضيين. وسيدخل ترامب النصفَ الأخير من ولايته في مواجهة كونغرس تسيطر عليه المعارضة، ليصبح بذلك رئيساً في حكم «البطة العرجاء»، وإن ظل محتفظاً بقدر كبير من السلطات التنفيذية.
وتبدو أسباب الانهيار الجمهوري واضحة. فقد تصدّرت تكاليفُ المعيشة والمخاوف الاقتصادية اهتمامات الناخبين. كذلك أعطت قضايا الفساد المثارة انطباعاً بأن الإدارةَ وضعت المصالح الشخصية والسياسية فوق المصلحة العامة. ولم يسهم تدخل ترامب في اختيار المرشحين في تحسين الموقف، إذ تحوّل مرشّحوه المفضّلون في عدد من السباقات إلى عبء بدلاً من أن يكونوا مصدر قوة. كما أدّت المعاملةُ القاسيةُ التي انتهجتها الإدارةُ تجاه المهاجرين إلى نفور كثير من الناخبين. وقد أشارت استطلاعات الرأي المبكرة إلى خسائر جمهورية كبيرة بين الشباب والناخبين من أصول لاتينية، وهما فئتان ساعدتا على توسيع قاعدة تحالف ترامب الانتخابي عام 2024.
أما ما سيحدث بعد ذلك، فهو أقل وضوحاً، إذ يرى بعض الجمهوريين تحذيراً لم يَعُد بإمكانهم تجاهله، وقد يبتعدون عن حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (ماغا) ويستعيدون قدراً من استقلاليتهم. وفي المقابل، سيرى آخرون أن على الرئيس الرد على الهزيمة بالمضي قُدماً بوتيرة أكثر اندفاعاً، دون أن تقيده الاعتباراتُ السياسيةُ الداخلية. ويثير هذا الاحتمال قلقاً خاصاً على صعيد السياسة الخارجية. ففي ظل انخراط الولايات المتحدة في حرب مع إيران، ربما يَقْدم رئيسٌ يشعر بأنه محاصر، أو بأنه تحرَّر من الحاجة إلى استمالة الناخبين، على مغامرات تتجاوز تداعياتُها حدودَ واشنطن.
وتمتد نتائج تلك الانتخابات لتشمل سياقاً دولياً أوسع. ففي أنحاء أوروبا ومناطق أخرى، تتزايد حالة نفاد الصبر لدى الأجيال الشابة إزاء المؤسسات السياسية التقليدية التي تبدو عاجزةً عن تقديم أفق واقعي لمستقبل آمن. ولا تتطابق تجربة الناخبين الأميركيين تماماً مع هذه التحركات في أماكن أخرة، لكن المخاوف الكامنة الأساسية متشابهة، وتتضمن تكاليف السكن، وعدم استقرار الوظائف، وارتفاع نفقات التعليم، وصعوبة تكوين الأسر وبناء حياة مستقرة. فالقدرة على تحمُّل تكاليف المعيشة ليست شعاراً يقتصر على بلد بعينه، بل أصبحت اختباراً لمدى قدرة المجتمعات الصناعية على تلبية احتياجات مواطنيها العاديين.وتواجه الحكومات تحدياً هائلاً، إذ تتعين عليها إدارةُ المالية العامة دون فرض ضرائب باهظة، والحفاظ على شبكة أمان اجتماعي توفر حمايةً حقيقيةً فعالة، وتهيئة الفرص أمام الشباب للعثور على وظائف وشراء المنازل وتكوين أسر.
ومع استئناف الكونغرس لأعماله في يناير المقبل، ستدخل واشنطن مرحلة مضطربة. فقد تجاوز الديمقراطيون توقعات الكثيرين داخل حزبهم، حتى إن بعضهم كان قد حذّر من توقعات بحدوث «تسونامي» سياسي، وهو بالضبط ما شهدته البلاد. والسؤال المطروح الآن: هل يستطيع المنتصرون تحويل تلك الاحتجاجات الاستثنائية إلى أداء حكومي فعّال؟ وهل يدرك الطرفُ المهزومُ الرسالةَ التي بعثها الناخبون؟
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال إنترست - واشنطن


