إن التطرف الديني لا يبدأ من قبو مظلم أو جماعة سرية، ولا تظهر الدعوة للعنف فجأةً، بل يسبقها إعداد مدروس. فغالببية محاضن التطرف تبدأ من أماكن تبدو بريئة: حلقة تحفيظ قرآن، أو رحلة تربوية، أو محاضرة دينية، أو تجمُّع شبابي بالجامعات، والتركيز الأكبر يكون على حلقات التحفيظ لسهولة تشكيل الأطفال والمراهقين. والمشكلة ليست في القرآن ولا حفظه، بل في اختطاف هذه المساحات وتحويلها من محاضن للإيمان إلى أدوات لصناعة الوعي الأيديولوجي الحاد.
وأقول ذلك من تجربة شخصية، فقد انخرطتُ طالباً ثم معلّماً في حلقات التحفيظ، وكنت أستغرب –وأنا القادم من مدرسة دينية باليمن تحذّر من منهج «الإخوان» – أن يخرج البرنامج عن مقصده الرئيس. ومع الوقت تبيّن لي أن بعض هذه الحلقات جزء من منظومة تربوية أوسع، كان للإخوان حضور وتأثير قوي فيها. وكان لمعرفتي السابقة بخطورة مسلك تنظيم «الإخوان»، ما جعلني ألاحظ ما لا يلاحظه الناشئ.
كان الطالب يتلقى - من وقت لآخر- إلى جانب القرآن، كُتيباً أو شريطاً لداعية «إخواني» أو «سروري» – و«السروري» أخطر– ويُطلب منه قراءته أو سماعه للدخول في مسابقة وتُرصد لها جوائز تفوق جوائز حفظ الجزء من القرآن. وهنا يبدأ التحول: القرآن كأساس ظاهر في الحلقة، والمادة الأيديولوجية أساس من باطن الحلقة، فيتلقّى الناشئ التعبئة دون أن يشعر.
ثم تأتي محاضرات نهاية الأسبوع لدعاة «الإخوان» و«السروريين»، فيُحشد الطلاب من كل المدينة حتى يغصّ بهم المسجد وتفترش الشوارع. وبعدها يعقد العشا للمحاضر ويُدعى له الخواص من الطلاب، ليقال لهم ما لا يقال للعامة. وفي هذه المجالس يتم التحذير من رجال الأمن والتنفير منهم بأوصاف مثل (دبابيس أو مباحث) لتكريه الطلاب بهم.
أما الرحلات فكانت تمتد أياماً في مخيمات أو فنادق، ويُستضاف فيها دعاة ومفكرون من نفس الاتجاه - «الإخواني السروري» - لتعبئة الطلاب فكرياً عبر الحديث عن بطولات وتضحيات مواجهة «الطاغوت» ويقصدون الحكام والأنظمة. وكان معظم المستمعين بين 15 و18 عاماً وقليل من يجاوز هذا السن.
أتذكر محاضرة تحدّث فيها المحاضر ساعة ونصف الساعة عن شخص يقول: إنه تعرّض للتعذيب وأدخلت عليه الكلاب تنهشه في السجن، وقدّم روحه في سبيل الله، وبعد التشويق سأل: أتدرون من هو؟ كان يقصد سيد قطب. واستمر في تعظيمه ووصف كتابه (في ظلال القرآن) بوصف جعله أقرب لكتاب نزل من الجنة.
وفي بعض الرحلات الجبلية كان الطلاب يُقسمون ليلاً لفريقين: «عدو» و«مجاهدين»، ويتم التمثيل القتالي بتمثيل القتل والأسر، لتشكيل المخيّلة القتالية. أما الأناشيد الحماسية فكانت حاضرة، أناشيد مواجهة الطغاة، والجهاد، والاعتذار للوالدين عن عدم طاعتهما لأن «الجنة تناديهم» ونشيد «غرباء نمضي وارتضيناها شعاراً للحياة» وإلى غير ذلك من الأناشيد الكثيرة التي تُعزّز فكرة الغربة في المجتمع وبغض وكره المجتمع، وتُروى قصص «الشهداء» وروايات عبد الله عزام عن ريح المسك وابتسامة الشهيد لتأجيج الثورة والمصادمة.
وحين تستوثق الجماعة من بعض الطلاب، يُوجَّه بعضهم لساحات الصراع بالخارج أو لمهام داخلية يتربص فيها لعملية انتحارية تقتل الجنود المواطنين والمستأمنين الأجانب، بينما يُختار الذكي البليغ ليكون قائداً بالحلقة، فتكتمل الدائرة بتكرار العملية مع جيل آخر.
كان منطقهم يقوم على إشغال الطالب طوال الوقت، للحيلولة دون ذهابه لتوجهات أخرى. والنتيجة هي حضور الجماعة في كل تفاصيل يومه وتضييق مساحة السؤال، فينشأ مجتمع داخل المجتمع ينظر للمجتمع الأكبر كمجتمع جاهلي، وللحكام كعملاء، ويقسم العلماء إلى «علماء سلطان» و«علماء دين»، ويعيش أوهام المؤامرة على الإسلام. 
والأخطر أن هذا البناء يستند لنصوص شرعية صحيحة تُقتطع من سياقها وتُعزل عن مقاصدها لتتحول من أدوات هداية إلى أدوات تصادم. فالخلل ليس في النص، بل في منهج التعامل معه.
لذا فإن مواجهة التطرف يجب أن تبدأ قبل حمل السلاح بسنوات، حين يتشكل وعي الطفل ويتعلم كيف يقرأ النص وينظر لوطنه ومجتمعه. إننا أمام عملية تبدأ بكتيب وشريط، لتنتهي ببناء تصور كامل عن العالم. وهذا معنى (محاضن التطرف): اختطاف الطفل وإعادة تشكيل فطرته قبل أن يمتلك أدوات الدفاع عنها.
ومن هنا يتجلى قول الشاعر، وهو عنوان المقال:
أَتاني هَواها قَبلَ أَن أَعرِفِ الهَوى
 فَصادَفَ قَلباً خالِياً فَتَمَكَّنا
ومن هنا فإن حماية حلقات القرآن ومحاضن التربية والتعليم - بكل مراحلها العمرية - من التوظيف الأيديولوجي ليست حرباً على الدين، بل هي حماية له وللأجيال وللمجتمع من أن ينشأ فيه جيل يرى مجتمعه عدواً له. إن التطرف لا يولَد فجأة، وإنما يُربَّى عليه في المحاضن ويكبر مع صاحبه حتى يشكِّل رؤيته للعالم.