تأتي أهمية المؤسسات العقابية والإصلاحية من كونها جزءاً أصيلاً في منظومة العدالة، وحماية المجتمع، ومسؤولية الدولة في صون واحترام حقوق الإنسان. وقد أرست الأممُ المتحدةُ إطاراً دولياً واضحاً لهذا النهج من خلال قواعد نيلسون مانديلا، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2015. وتؤكد هذه القواعدُ أن إدارةَ المؤسسات العقابية ينبغي أن تقوم، إلى جانب الأمن والانضباط، على الرعاية الصحية والتعليم والتدريب والإعداد للحياة بعد الإفراج.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، يتجسد هذا المفهومُ ضمن إطار تشريعي ومؤسسي متطور. فقد صدر المرسومُ بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2024 بشأن تنظيم المؤسسات العقابية والإصلاحية، والذي ينظّم عملَ هذه المؤسسات واختصاصاتِها، ويربط وظيفتَها بتنفيذ الأحكام القضائية وأوامر الحبس الاحتياطي الصادرة عن السلطة القضائية، بما يؤكد موقعَها داخل منظومة العدالة وسيادة القانون. ولا تقتصر التجربة الإماراتية على الجانب التشريعي، بل تمتد إلى تطوير بيئة المؤسسة نفسها، والنظر إلى النزيل باعتباره إنساناً يحتاج إلى الرعاية والإصلاح والتأهيل، إلى جانب خضوعه للعقوبة المقررة قانوناً. وقد اتخذت مسيرةُ تطوير المؤسسات العقابية والإصلاحية بُعداً مؤسسياً يعكس فلسفة راقية في التعامل مع تنفيذ العقوبة. ففي أبوظبي نُقلت مسؤوليةُ إدارة المؤسسات العقابية والإصلاحية ومؤسسات الأحداث من القيادة العامة لشرطة أبوظبي إلى دائرة القضاء اعتباراً من يناير 2024، في خطوة عزّزت ارتباطَ منظومة الإصلاح والتأهيل بمنظومة العدالة. وتُوج هذا المسارُ بصدور قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل، الذي أعاد تسميةَ «المنشآت العقابية والإصلاحية» لتصبح «مراكز الإصلاح والتأهيل».
وقد أدرجت دائرةُ القضاء ضِمن أولوياتها الاستراتيجية إنشاءَ منشآت إصلاحية متميزة تطبّق أفضلَ الممارسات العالمية في مجال الرعاية والتأهيل وإعادة الدمج، إلى جانب تطوير برامج الرعاية اللاحقة وخفض احتمالات العودة إلى الجريمة، بما يعكس رؤيةً تَعتبر الإصلاحَ عمليةً متكاملةً تبدأ أثناء تنفيذ العقوبة وتمتد إلى ما بعدها.
كما شملت عمليةُ التقييم والاعتماد الدولي للمؤسسات العقابية والإصلاحية مجالاتٍ متعددةً، مِن بينها الأمن والسلامة، والرعاية الصحية، والعدالة، والإدارة، والبرامج والأنشطة المقدمة للنزلاء، وفق مجموعة واسعة من المعايير الدولية. وقد حصلت الإدارة العامة للمؤسسات العقابية والإصلاحية في شرطة دبي في أغسطس 2026 على الاعتماد الدولي من منظمة الإصلاح الأميركية، بنسبة امتثال بلغت 100% للمعايير المعتمدة، كما حصلت على جائزة النسر العالمية. ويعبّر هذا الإنجاز عن رؤية تتجاوز المفهومَ التقليدي للسجن بوصفه مكاناً لتنفيذ العقوبة، إلى جعله مؤسسةً إصلاحية وبيئةً تهدف إلى حماية المجتمع، واحترام كرامة النزيل، وتوفير الرعاية والتأهيل. وهنا تتجلى قيمة التجربة الإماراتية في الجمع بين متطلبات الأمن وسيادة القانون من جهة، والبُعد الإنساني والإصلاحي للعقوبة من جهة أخرى، بما يجعل المؤسسة العقابية شريكاً في تحقيق العدالة، لا مجرد مكان لتنفيذها.

*كاتبة إماراتية.