في المسابقة العالمية للمهارات - شنغهاي 2026، التي تم تنظيمها خلال الفترة من 22 إلى 27 سبتمبر الماضي، خاض فريق الإمارات منافسات في 16 مهارة، وحصد عشر ميداليات للتميّز، وهو ما أكد أن الاستثمار في التعليم التقني والتدريب النوعي يمنح أبناء الوطن القدرة على المنافسة وإثبات كفاءتهم أمام العالم.
هذا التميز يجدّد أهمية تفعيل مسارات للتعليم الفني والتقني داخل المدارس الحكومية، وإتاحة الفرصة للطلبة لاكتشاف قدراتهم العملية وتنميتها ضمن تعليم مدرسي متكامل. وتحتاج هذه المسارات إلى شراكات مع المؤسسات التقنية والقطاع الصناعي، وتُشكّل برامج التلمذة المهنية حلقة أساسية في هذا البناء، إذ تجمع بين التعلم المنظم في المؤسسة التعليمية والتدريب الموجّه في موقع العمل.
وأصبح دمج التعليم الفني والتقني بالتعليم الأكاديمي ضرورة لإعداد خريج يجمع بين عمق المعرفة والقدرة على تطبيقها. وقد سبق أن دعوت إلى هذا التوجه في كتابي (Technical and Vocational Education in the UAE: Development and Reform)
الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عام 2022. وتزداد أهمية هذا التكامل مع تسارع التحولات التقنية وحاجة الاقتصاد إلى كفاءات تفهم الأسس العلمية وتوظفها في حل مشكلات واقعية.
ولترجمة هذا التوجه إلى ممارسة جامعية، من الضروري إدماج مكونات تطبيقية ومهارات مهنية مرتبطة بطبيعة كل تخصص ضمن الخطط الدراسية، واحتساب التدريب المنظّم في مواقع العمل ضمن متطلبات التخرج، وتطوير مشروعات مشتركة مع الصناعة. كما ينبغي بناء مسارات مرنة بين التعليم التقني والجامعي، تعترف بالتعلم السابق والكفايات المكتسبة وفق ضوابط أكاديمية واضحة.
ماذا يحدث حين يعود المتسابق إلى وطنه وتُطفأ أضواء منصة التتويج؟ هنا يبدأ اختبار آخر: كيف تتحول المهارة التي أبهرت العالم إلى عمل يضيف قيمة، وفكرة تتطور إلى منتج، وخبرة تنتقل إلى جيل جديد؟
تبدأ الإجابة من موقع العمل. فالشاب الذي أتقن تشخيص عُطل معقّد يستطيع أن يسهم في تقليل توقف خط إنتاج، ومن أجاد البرمجة يمكنه تطوير خدمة، ومن تميَّز في الرعاية الصحية يستطيع أن يرفع جودة تجربة المريض. في هذه التفاصيل اليومية يظهر الأثر الاقتصادي والاجتماعي للتعليم الجيد.
ولهذا، من الضروري أن تكون الشركات شريكاً في إعداد الشباب منذ الدراسة، وأن تتيح لهم فرصاً حقيقية للتدريب والتوظيف والمشاركة في حل المشكلات. فتكليف فريق من الطلبة بتطوير حلٍّ لتقليل استهلاك الطاقة، على سبيل المثال، يمنحهم خبرة عملية ويتيح للمؤسسة اختبار فكرة قابلة للتطبيق.
ويمتد هذا الدور إلى احتضان أبطال المهارات بعد المنافسة، عبر فرص للدراسة المتقدمة، والعمل في تطوير المنتجات والعمليات، ونقل الخبرة إلى الطلبة والمدربين. وكل فرصة تتيح للموهبة أن تنمو، تحافظ على قيمة الاستثمار الذي بُذل في إعدادها.
ويظهر نجاح هذا المسار حين يجد الخريج عملاً يناسب تخصصه، وتتطور قدراته ومسؤولياته، وتلمس المؤسسة أثر كفاءته في الجودة والإنتاجية. تلك هي النتائج التي تمنح الميداليات امتدادها في حياة الناس.
بدأت هذه السلسلة من شنغهاي، حيث رأينا ما يستطيع شباب الإمارات إنجازه، ثم عدنا إلى المدرسة والجامعة لنبحث كيف تتكون هذه القدرة، وطرحنا أهمية وجود جهة ترافق الموهبة وتفتح أمامها فرص التعلم والتدريب محلياً وعالمياً. ونصل في ختامها إلى حقيقة تجمع المشهد كله: اكتشاف الموهبة، وتعليمها، ورعايتها، وتمكينها من العمل مسؤولية متصلة، يشترك فيها التعليم والصناعة والمجتمع.
إن زيادة انتشار مدارس التكنولوجيا التطبيقية، وتفعيل المسارات التقنية في المدارس الحكومية، ودمج التعليم الفني والأكاديمي في الجامعات، وتطوير التلمذة المهنية، ومتابعة المواهب عبر هذه المراحل، يفتح أمام الشباب أبواباً أوسع للمشاركة في اقتصاد منتج. وتكتمل هذه الرحلة حين يصبح لكل مهارة مجال تنمو فيه، ولكل موهبة فرصة تصنع بها أثراً.
لقد وصل شبابنا إلى منصة التميز، والمرحلة التالية أن تمتد فرص التميز إلى مزيد من شباب الوطن. فالميدالية لحظة نعتز بها، والإنسان القادر على صناعة المستقبل هو الإنجاز الذي يبقى.
*المدير العام لمركز أبوظبي للتعليم والتدريب التقني والمهني


