هناك دول يقصدها الناس للعمل، وأخرى يزورونها لجمالها، لكن المكان الذي يختارونه للعيش وتربية أبنائهم يكتسب منزلة أعمق، ففيه يودعون أعمارهم وأحلامهم، ويأتمنونه على مستقبلهم. وحين ننظر إلى الإمارات من هذه الزاوية، ندرك أن جاذبيتها تتجاوز الفرص الاقتصادية والعمران الحديث، إلى الثقة بالحياة التي يستطيع الإنسان أن يبنيها على أرضها. تلك الثقة أحد وجوه القدوة. فالدولة التي توفر بيئة آمنة للعيش تقدم بتجربتها دليلاً على قيمة الاستقرار، وحين تمد يد العون وتتوسط لتخفيف معاناة الآخرين، تسهم في توسيع أثره خارج حدودها. ومن هنا يرتبط الحديث عن «الإمارات القدوة» بدورها في بناء السلام، إذ يلتقي فيه خير الإنسان بأمنه وقدرته على التقدم.
ومن خبرتي العسكرية، أدرك أن الأمان الذي تبني عليه الأسرة مستقبلها هو ثمرة رؤية تحمي الوطن، وتعمل على منع الأخطار قبل وقوعها. والسلام أوسع من توقف القتال. قد تصمت المدافع وتبقى أسباب الصراع حاضرة في النفوس، ولذلك يحتاج إلى عمل يعالج آثار الحرب ويفتح طريقاً لتجاوزها، مدرسة تستقبل أبناءها مجدداً، وأسرة تستعيد مأواها، وشاب يجد في العمل أملاً يستحق التمسك به. ولهذه الرؤية جذورها في نهج المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي جعل البناء من أجل الإنسان أساساً لتجربة الاتحاد، وربط النهوض بالوطن بمسؤولية تجاه الناس.
وفي قيام الاتحاد نفسه درس عميق: أن الإرادة المشتركة تستطيع تحويل التعاون إلى مؤسسات، ومنح الأجيال مستقبلاً أرحب مما تحققه الجهود المتفرقة. ويظهر امتداد هذا النهج في مبادرات أعادت إلى أناس أنهكتهم الحرب شيئاً من الأمان. ففي 25 يونيو 2024، نجحت وساطة إماراتية بين روسيا وأوكرانيا في إتمام تبادل شمل 180 أسيراً من الجانبين. وخلف هذا الرقم بشر ينتظرهم أهلهم، وبيوت تستعيد أبناءها. ولم تكن تلك المرة الأولى ولا الأخيرة، إذ واصلت الإمارات جهودها حتى بلغ عدد من عادوا إلى ذويهم عبر وساطتها قرابة ثمانية آلاف أسير بحلول أغسطس 2026. وتكشف هذه الجهود قيمة الإبقاء على قنوات التواصل، حتى حين يبلغ الخلاف أشد مراحله.
وفي غزة، بدأ المستشفى الميداني الإماراتي تقديم خدماته العلاجية في ديسمبر 2023، ضمن عملية «الفارس الشهم 3». وفي وصول العلاج إلى المصابين معنى يتصل بجوهر السلام: حماية الحياة وصون الكرامة وسط المأساة. فالجهد الإنساني يمنح المنكوبين عوناً يحتاجونه، ويحفظ شعورهم بأن معاناتهم لم تُنسَ.
والقدوة لا تُصنع منفردة. ففي ديسمبر 2022، أثمرت جهود مشتركة بين الإمارات والمملكة العربية السعودية عن تبادل للمحتجزين بين الولايات المتحدة وروسيا جرى على أرض أبوظبي. وفي ذلك شاهد على أن أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ، وأن العمل المشترك بين أبنائه يمنح كل جهد أثراً أبعد.
وفي السودان، وقفت الدولتان في سبتمبر 2025 مع الولايات المتحدة ومصر في دعوة مشتركة إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار. وموقف الإمارات هنا واضح: لا حل عسكرياً لهذا الصراع، والأولوية لحماية المدنيين، وللانتقال إلى حكم مدني يعيد للسودانيين دولتهم.
وقد علّمتني سنوات الخدمة أن مسؤولية القائد تبدأ بالاستعداد لحماية الوطن، وتشمل تقدير عواقب كل قرار. فالقوة تستلزم معرفة متى تُستخدم، وكيف تخدم غاية واضحة، وما يترتب عليها بعد انتهاء المواجهة.
وقد يُقاس نجاح قرار عسكري بما حققه في الميدان، لكن نجاح الرؤية الاستراتيجية يُقاس أيضاً بالأمن الذي تصونه، وبقدرتها على منع تجدد الخطر. ولهذا أرى في العمل الدبلوماسي امتداداً لمسؤولية حماية الأوطان. فالردع يسند الأمن، والحوار يتيح اختبار الحلول، وحسن التقدير يحفظ للدولة قدرتها على الاختيار. وفي منطقة خبرت كلفة الحروب، تصبح الوقاية من التصعيد إنجازاً له قيمته، حتى لو كانت ثماره أقل ظهوراً من مشاهد المواجهة. ويحتاج السلام المستدام إلى العدالة وسيادة القانون.
فوضوح الحقوق ووجود مؤسسات يُرجع إليها عند النزاع يمنحان الاستقرار جذوراً أعمق. وحين يثق الإنسان بأن حقه مصون، تزداد رغبته في الإسهام في مجتمعه. وفي الحياة اليومية بالإمارات، نلمس أهمية هذه الثقة. يلتقي أناس من ثقافات متعددة، تجمعهم مصالح العمل وحسن الجوار واحترام النظام. وتنشأ بين أبنائهم صداقات تتجاوز اختلاف الأصول واللغات، فيكبرون على معرفة الآخر والتعامل معه. ومن أبوظبي انطلقت عام 2019 «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي وقّعها شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان، لتؤكد أن التعايش هنا ممارسة يومية لا شعار. وهنا يتصل الاستقرار بالازدهار.
فالإنسان المطمئن أقدر على التخطيط، وصاحب الفكرة يحتاج إلى بيئة تشجعه على المحاولة، والأسرة الواثقة بالغد تستثمر في تعليم أبنائها. بهذه التفاصيل تُبنى جاذبية الأوطان، ويتحول المكان من وجهة للعمل إلى موطن لحياة كاملة. وتظل القدوة مسؤولية متجددة، تستدعي تطوير المؤسسات والإصغاء إلى احتياجات الناس.
ولنا جميعاً نصيب فيها، نؤديه بإتقان أعمالنا وبالأثر الذي نتركه في حياة الآخرين. تلك هي الإمارات التي نعتز بها: تبني مستقبلها، وتسهم في منح الآخرين فرصة لبناء مستقبلهم. وحين يعود أسير إلى أسرته، ويجد جريح علاجه، ويكبر طفل آمناً قادراً على الحلم، يصبح للسلام وجه نعرفه، وللقدوة أثر يبقى.
*لواء ركن طيار متقاعد


