قد تظهر موهبة الطالب في مشروع مدرسي صغير، أو في قدرته على حل مشكلة، أو في شغفه بتفكيك جهاز وإعادة تركيبه. لكن اكتشاف هذه الموهبة يفتح سؤالاً مهماً: من يتابعها بعد ذلك؟ ومن يساعد صاحبها على اختيار الدراسة المناسبة، والوصول إلى التدريب الجيد، وتحويل قدراته إلى مسار يخدم مستقبله ووطنه؟ هذا السؤال يستدعي إنشاء «مكتب رعاية المواهب والمسارات المستقبلية»، يتابع الطلبة منذ المرحلة الابتدائية، ويربط بين الأسرة والمدرسة والجامعة وجهات التدريب والعمل.

وتكون مهمته بناء مسار متصل للطالب، تُعرف فيه قدراته واهتماماته، وتُراجع خياراته مع تقدمه، وتُتاح له الفرص التي تساعده على النمو. وتبدأ المتابعة في المرحلة الابتدائية بإتاحة فرص واسعة للاستكشاف، من الأنشطة العلمية والتقنية والفنية إلى المشروعات والتجارب العملية.

وفي هذه السن، من المهم أن يظل المجال مفتوحاً أمام الطفل لتجربة اهتمامات متعددة، فالمتابعة المبكرة غايتها تنمية الإمكانات، مع تجنب حصر الطالب في تخصص أو مهنة قبل أن تتضح ميوله وتنضج اختياراته. ومع انتقاله إلى المراحل التالية، تتطور المتابعة إلى إرشاد فردي يستند إلى أدائه ومشروعاته وتجربته العملية، إلى جانب الحوار معه ومع أسرته ومعلميه. ومن الضروري بناء ملف إلكتروني للطالب يوثّق مهاراته، وإنجازاته، ومشاركاته، وميوله العلمية والقيادية والرياضية، والفرص التي استفاد منها، مع حماية بياناته وتحديد صلاحيات الاطلاع عليها. وبذلك تستمر المعرفة بتطوره عند انتقاله بين المؤسسات والمراحل التعليمية.

وتتجاوز مهمة المكتب تقديم المشورة إلى توفير الفرص داخل الدولة وخارجها ومتابعة أثرها. فمن الضروري أن ينسق الدورات المتخصصة، وبرامج الإرشاد والتدريب والتوجيه مع الخبراء، والمنافسات، والتدريب الصيفي، والتلمذة المهنية، وأن يساعد الطلبة على الاستفادة منها وفق استعدادهم واحتياجاتهم. ويقاس نجاحه بمدى تطور الطالب، وما اكتسبه من كفايات وخبرات. وفي المرحلة الجامعية، يمكن للمكتب تنسيق ابتعاث الطلبة المتميزين إلى أفضل الجامعات في المجالات التي تتوافق مع قدراتهم وأولويات الدولة، مع الاهتمام بجودة البرنامج ومختبراته وصلاته بالصناعة.

ويصاحب الابتعاث توجيه أكاديمي ومهني مستمر، وفرص للمشاركة في البحث والتطوير والتدريب المتقدم، حتى تصبح الدراسة جزءاً من مسار واضح لبناء الخبرة. وتفتح استثمارات دولة الإمارات وشراكاتها الاقتصادية في الخارج مجالاً مهماً لتوسيع هذه الفرص، فمن الممكن التنسيق مع الجهات الاستثمارية والشركات المعنية، بحث اتفاقات تتيح للطلبة والخريجين التدريب في الشركات العالمية، والمشاركة في مشروعات بحثية وتطبيقية، والتعلم من خبراء يعملون في بيئات إنتاج متقدمة. ويتطلب ذلك ترتيبات واضحة تراعي أنظمة الشركات والدول المستضيفة، وتحدد أهداف التدريب والإشراف وتقييم المهارات المكتسبة.

وبهذا، يمكن أن تسهم العلاقات الاقتصادية الدولية في بناء رأس المال البشري الوطني، من خلال إتاحة خبرات يصعب اكتسابها داخل قاعات الدراسة وحدها. فالطالب الذي يعمل ضمن فريق دولي لتطوير منتج أو معالجة تحدٍّ صناعي يكتسب معرفة تقنية، ويتعلم أساليب العمل ومعايير الجودة، ويبني علاقات مهنية قد تفتح لاحقاً مجالات للتعاون ونقل المعرفة.

ويستطيع المكتب كذلك بناء شبكة من المرشدين تضم مهنيين وباحثين ورواد أعمال وخريجين سابقين، يرافقون الطلبة في مراحل اتخاذ القرار. كما ينبغي أن تظل فرص الانضمام مفتوحة أمام المواهب التي تظهر في أعمار مختلفة، بمعايير شفافة تتيح الوصول إلى الطلبة في مختلف المناطق، وتراعي تنوع قدراتهم وظروفهم.

ولكي يحقق المكتب غايته، من الضروري أن يعمل بالتنسيق مع الجهات القائمة، مستفيداً من برامجها ومكمّلاً لأدوارها، مع مسؤولية واضحة عن متابعة رحلة الطالب وقياس تقدمها. فالقيمة الحقيقية لهذا المقترح، هي أن يجد الطالب جهة تعرف مساره، وتساعده على تجاوز العقبات، وتصل بين إمكاناته والفرص المتاحة له. حين نرافق الموهبة بهذه الصورة، يصبح اكتشافها بداية لالتزام طويل الأمد، وتتحول الفرص المتفرقة إلى رحلة متكاملة من التعلم والخبرة.

*المدير العام لمركز أبوظبي للتعليم والتدريب التقني والمهني.