جاء الملتقى العلمي بين علماء دولة الإمارات والمملكة المغربية حول «الفتوى المؤسسية» ليعالج ما يعتري الإفتاء من فوضى عابرة للحدود، وتسييسٍ لمفاهيمه، وتسخيرٍ لها في مآرب الكراهية والطائفية. وقد انعقد بجهود المجلس العلمي الأعلى، ومعالي العلامة الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، في ظل أخوّة أرسى دعائمها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والملك الحسن الثاني، رحمهما الله، وتعهّدها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، وأخوه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظهما الله، فامتدّ رسوخها إلى التعاون العلمي ومعالجة قضاياه.

إن الفتوى المؤسسية يتعيّن مفهومها بانبثاقها من الدولة الوطنية، وقيامها باختصاصها في رعاية الإفتاء؛ فتخدم مصالحها العليا، وتساند مسارها التنموي، وتصون خياراتها. وهذا هو مناط تميّزها عن الاجتهاد الجماعي وأعمال المجامع الفقهية والمؤسسات غير الرسمية؛ فاجتماع العلماء على النظر له مجاله، ورعاية الدولة لمنظومة الفتوى لها اختصاصها ومسؤولياتها.

ومن ثمّ تتجه الدعوة إلى أن تكون المجامع رافدةً لهذا الدور، معزّزةً له، محترمةً سيادته الإفتائية؛ إذ «لا يصلح الناس فوضى». إن الفتوى المؤسسية، بهذا المفهوم، تستوي على أربعة مرتكزات متساندة: مأسسة ترسّخ، وحوكمة تحصّن، ورقمنة تطوّر، وأنسنة تجسّر. فأما مأسستها، فأن تكون عملاً مؤسساً منظّماً داخل اختصاص الدولة، له أصوله الصناعية والتشريعية والواقعية والتنظيمية، وتصونه قوانينها من الافتيات على مؤسساتها والإخلال بأنظمتها. ولهذا التأسيس نسب مكين في التراث الفقهي؛ فقد عُدّ الإفتاء من وظائف الدولة الكبرى في حماية الأديان والأبدان والأموال والعائلة، وكشف الإمام القرافي في كتابه «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام» عن تمايز هذه الوظائف ومراتبها. واستعادة هذا الوعي تجلو ما غشي معالمه من سيولة إعلامية ورقمية.

ومن مقتضى هذا التأسيس أن تقترن به حوكمة تصون الفتوى، عامّها وخاصّها، وتسدّ على الأدعياء والمتطرفين مسالك اختطافها؛ فتُحفظ بها الوحدة الوطنية، وتُدرأ عن المجتمع غوائل الاضطراب. ويدخل في إحكامها أن تجيب عن الحاجة بقدرها؛ ففي عناية الفقهاء بمصنفات «الأجوبة» دلالة على تبعية الجواب للسؤال، وتقدير العلاج بالحاجة والمصلحة. وبذلك تُصان الفتوى من التضخّم والتخمة وثقافة اللامعنى، ويستبقى لها نفعها وجدّها.

ويمتدّ الحرص على سلامتها إلى الوسائل التي تتوسّل بها؛ فالذكاء الاصطناعي يفتح لها أبواب البحث والاستحضار، ويستدعي تأهيل كفاءاتها، وتغذيته بالبيانات الموثوقة والمضامين المعزّزة للاعتدال، والاستثمار الجاد فيه. وقد قرّر الفقهاء أن حضور الأحكام جميعاً في ذهن المفتي غير مشترط، وفي هذه الأدوات ما يعينه على استحضارها. وهذه هي غاية الرقمنة في تطوير الأداء، على أن يصحبها تقويم مستمر للمحتوى، وتنسيق وثيق مع جهات الاختصاص لضمان موثوقيته وسلامته. إن الفتوى المؤسسية تبتغي من تطوير أدواتها أن تنهض برسالتها في حياة الناس؛ ولذلك تكتمل رقمنتها بأنسنة تصلها بالعلوم والخبرات والثقافات، وتستحضر مسؤوليتها الإنسانية الموازية لواجبها الوطني. فبها تحمل قيم الرحمة والمودة والتسامح والأخوّة، وتأخذ بأيدي الناس «إلى مطمئنّ البرّ».

وقد استُحضرت في الملتقى تجربة مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي وأثرها في تقليل حالات الطلاق، والوقاية من المخاطر الفكرية لدى الشباب، والحد من تعاطي المخدرات؛ وهي ثمار يتصل فيها المقصد الإنساني بالمصلحة الوطنية، وتخفّ بها التكاليف والجهود على مؤسسات الدولة.وتبادل هذه الخبرات يمنح الشراكة بين البلدين مداها العملي؛ فالمشترك المالكي، بأبعاده الاجتهادية والحضارية، يهيّئ لها أصلاً للبناء، واستدامة الملتقى سنوياً تتيح تنمية ثمراته، وتعميق التعاون في تعزيز المرجعية الوطنية ومواكبة التحول الرقمي؛ لتظل الفتوى موصولة بأوطانها، أمينةً على رسالتها.

*رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة.