جلست أتأمل ما يُقال عن الإمارات، وأسأل نفسي: كيف أصبحت هذه الدولة تفسيراً جاهزاً لأزمات بلدان تختلف في تاريخها وجغرافيتها وأنظمتها؟ كلما تعثّرت تسوية، أو اشتعل صراع، أو أخفقت قيادة، وجدنا من يشير إليها، وكأن مفاتيح المنطقة كلها في يدها. من فلسطين إلى السودان، ومن ليبيا واليمن إلى إثيوبيا وغيرها، يتكرر الاتهام.

تتغير الوقائع والأطراف، وتبقى الإمارات حاضرة في روايات تمنحها قدرة تكاد تتجاوز قدرات الدول العظمى. وهنا يبرز السؤال: إذا كانت الإمارات قادرة على إحداث كل هذه الفوضى، فأين قيادات تلك الدول ومؤسساتها السياسية والعسكرية والأمنية؟

وكيف استطاعت دولة من الخارج أن تتحكم بمصائرها، بينما عجز أصحاب القرار فيها عن حماية أوطانهم؟ مَن يقدّم هذا التفسير المطلق، يقرّ ضمناً بعجزه. يريد إدانة الإمارات، فيكشف إخفاقه في أداء المسؤولية التي يتولاها. السياسة الإماراتية، كسياسات غيرها، قابلة للنقاش والنقد، والاتهامات المحددة تُبحث بالأدلة. لكن تحميل دولة ما  مسؤولية كل أزمة لا  يُعفي القيادات المحلية من السؤال الأهم: ماذا فعلتم أنتم؟ وحتى لو وُجد تأثير خارجي، فإنه لا يعفي من يتولى الحكم من مسؤولية قراراته وإدارة شؤون بلاده. ومن خلال عملي الدبلوماسي السابق، عرفتُ كيف تعمل سفاراتنا وتُدار علاقاتنا.

وفي حدود تجربتي، فإن احترام الدول ومؤسساتها، وتطوير التعاون، وصون المصالح المشتركة أساس عملنا. لم أعرف في المسؤوليات التي مارستها سعياً إلى هدم دولة أو العبث بمصير شعب، عرفتُ حرصاً على بناء العلاقات ومساندة الأشقاء حين يحتاجون إلينا. لهذا يؤلمني أن تُختزل تلك العلاقات في الشبهات، وأن يصبح الاتهام بديلاً عن مراجعة الأخطاء.

فمن الأسهل على مسؤول أخفق في إدارة بلاده أن يصنع خصماً خارجياً، بدلاً من أن يواجه شعبه بحقيقة قراراته. وحين يصبح البقاء على الكرسي غاية، يتحول الوطن إلى وسيلة، وتصبح أزماته مادة لتبرير استمرار من عجزوا عن حلها.

ولعل نجاح الإمارات يجعل المقارنة أكثر إزعاجاً. فحين تبني دولة مؤسساتها، وتطور خدماتها، وتستقطب العقول، يتساءل الناس: لماذا تحقق هنا ما تعثّر عندنا؟ والإجابة تحتاج إلى شجاعة في مراجعة الإدارة والأولويات، لا إلى التشكيك في نجاح الآخرين. الإمارات لم تحتجْ إلى سقوط أحد حتى تنهض. بَنَت تجربتها بالعمل والتخطيط والاستمرارية، وبقيادة جعلت أمن الإنسان وكرامته وفرصه في مقدمة مسؤولياتها.

ونجاحها لا يغلق الطريق أمام أحد، بل يقدم تجربة يمكن الاستفادة منها والاختلاف معها أيضاً. ونحن لا نشمت في محنة شعب، ولا نفرح بانكسار دولة. وراء الحروب أسرٌ خائفة، وأطفالٌ يدفعون أثماناً لم يختاروها. استقرار أشقائنا مصلحة لنا، وازدهارهم إضافة إلى قوّتنا. لكن محبة الأشقاء لا تلزمنا بالصمت حين تُحمّل بلادنا أخطاء غيرها. ستواصل الإمارات البناء، ونتمنى لأشقائنا جميعاً النجاح والعافية. أما من يبحث عن مخرج لأزماته، فليبدأ بمواجهة أسبابها وتحمُّل مسؤوليته عنها. فالأوطان لا تُبنى باتهام الآخرين.

*لواء ركن طيار متقاعد