على مدى عقود، ارتبط مجلس الأمن في الوعي السياسي الدولي بالفصل السابع، أكثر مما ارتبط بأي جزء آخر من ميثاق الأمم المتحدة. فعندما تندلع الحروب، وتتسع النزاعات، تتجه الأنظارُ إلى العقوبات والتدابير الملزمة واستخدام القوة. وهو ما جعل الفصلَ السابع عنواناً شبه مرادف لتدخل مجلس الأمن في الأزمات. لكن هذه الصورة تختزل جانباً مهماً من منظومة الأمن الجماعي الدولي، وهو الجزء الخاص بالفصل السادس من الميثاق، والذي يعتَبر الأكثر أهمية لكونه معنياً بالتسوية السلمية للمنازعات كأحد أهم المرتكزات التي قام عليها النظام الدولي، والذي نصّ على التفاوض والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، ثم اللجوء إلى الترتيبات الإقليمية لمعالجة النزاعات التي يمكن أن تهدد السلم والأمن الدوليين. وهذا بالإضافة إلى تفويض مجلس الأمن بالتحقيق في النزاعات التي قد تتحوَّل إلى أزمات في المستقبل، وهو الأمر الذي يعزّز من أهمية هذا الفصل من حيث أسبقيته الزمنية ومعالجاته السلمية، كونه يعمل على حلّ الأزمة قبل أن تصبح أزمةَ أمن دولي مكتملة الأركان.
 ويؤسّس الميثاق الأممي لمنهجية مختلفة في تحقيق الأمن والسلم الدولي، عبر أدوات وتدابير غير عسكرية وصولاً إلى الإجراءات العسكرية التي تم تحديدها بشكل مفصّل، كما تم تحديد إطار خاص بالإجراءات المؤقتة المعنية بمنع تفاقم الأزمات، قبل الانتقال إلى التدابير القصوى. وهو ما يؤكد المنهجية الدولية في التعاطي مع الأزمات الدولية، من خلال الدبلوماسية الوقائية والاستجابة الفاعلة، ثم صناعة المعالجة القائمة على صناعة الأمن وحماية السلم الدولي إذا ما تعثرت التسوية.
وتؤكد التجربةُ الدوليةُ خلال العقود الخمسة الماضية أن الأدوات التي قدّمها الفصلُ السادس، مثل الوساطة والمساعي الحميدة والمبعوثين الخاصين والبعثات السياسية والترتيبات الإقليمية، لم تكن أدوات هامشية. بل هي معالجات ناجعة أثبتت أهميةَ الدبلوماسية الوقائية والوساطة كجزء أساسي من العمل السياسي للأمم المتحدة، كما أسهمت في تعزيز دور الأمم المتحدة في احتواء الأزمات وفتح قنوات الحوار قبل تحول الخلافات إلى صراعات وأزمات، وفق منهجية تقوم على منع تصعيد النزاعات والحد من انتشارها. 
 وهنا تبرز إحدى أهم المفارقات في تقييم أعمال وإسهامات الأمم المتحدة المعنية بتعزيز الأمن والسلم الدوليين، فالنجاحات الدبلوماسية، التي يتم تحقيقها تحت عنوان الفصل السادس لا تُرى رغم أهميتها، في حين يبدو الفصل السابع أكثر حضوراً في الذاكرة السياسية والإعلامية، بأدواته الأكثر صرامة كالعقوبات والحظر والقوة التي يمكن مشاهدة آثارها، صوراً للدمار وأرقاماً للضحايا، علاوة على الحروب التي تتصدر الأخبار.عند محاولة استشراف مستقبل دور مجلس الأمن خلال السنوات المقبلة، نجد أنه بحاجة إلى إعادة التوازن بين أدواته، أي أدوات الوقاية وأدوات الإنفاذ، وبشكل لا يحد من دور وأهمية الفصل السابع، وإنما يعيد تفعيلَ الفصل السادس في وقت أبكر، وبإرادة سياسية أكبر، وبقدرة مؤسسية أكثر تطوراً وقدرةً على الإنذار المبكر، بالإضافة إلى جهود الوساطة وتقصي الحقائق والعمل مع المنظمات الإقليمية. فمجلس الأمن الأكثر فاعليةً ليس بالضرورة ذلك المجلس الذي يصدر أكبر عدد من القرارات الصارمة، وإنما المجلس الذي يستطيع أن يمنع الأزمة من الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الخيار الوحيد المتاح هو قرار «استخدام القوة». وهنا، في تقديري، تكمن إحدى أهم أولويات مجلس الأمن خلال العقود القادمة، فالانتقال من ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة منعها هو جزء هام ورئيسي في تطوير وتحديث منظومة الأمم المتحدة.

*كاتبة إماراتية