يشهد العالمُ تحولاتٍ متسارعةً في طبيعة التهديدات الأمنية، مدفوعةً بالتطور المتنامي للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، التي لم تَعُدْ تقتصر تطبيقاتها على المجالات الاقتصادية والعلمية، بل أصبحت تؤثّر بصورة متزايدة في أنماط العنف السياسي، وأساليب التجنيد والتعبئة، والتخطيط للعمليات التخريبية، وأدوات الحروب الهجينة.
وفي ظل هذا المشهد المتغير، تتزايد الحاجة إلى دراسات بحثية، تستشرف المخاطر الناشئة، وتساعد صنّاع القرار على فهم أبعادها وتطوير استجابات فعّالة لها.
وفي هذا السياق، يتعاون «تريندز جلوبال»، عبر مكتبه الافتراضي في ألمانيا، مع مجموعة الاستشارات الأمنية الحديثة «موسكون» (MOSECON) في ألمانيا، ضمن مشروع بحثي مشترك بعنوان «الذكاء الاصطناعي والعنف السياسي والتخريب والحروب الهجينة: التجنيد والتخطيط للهجمات والقدرة على الصمود المؤسسي». وقد جرى التعريف به ضمن فعاليات معرض فرانكفورت الدولي للكتاب 2026.
وتنبع أهميةُ المشروع من أن الذكاء الاصطناعي يطرح معادلة أمنية جديدة، فهو يوفر فرصاً لتطوير قدرات الرصد والتحليل والإنذار المبكر، لكنه - في المقابل - قد يُتيح إمكانياتٍ إضافيةً للجهات المتطرفة والفاعلين العدائيين لتوسيع نطاق أنشطتهم، وتطوير أساليب التضليل والتأثير، واستغلال الفضاء الرقمي في استقطاب الأفراد ونشر الخطابات المتطرفة. وهذا التداخل بين الفرص والمخاطر يجعل فهم الاستخدامات الأمنية للتكنولوجيا أمراً ضرورياً لتطوير سياسات متوازنة تجمع بين الابتكار والوقاية والمسؤولية.
ويركّز المشروعُ على دراسة تأثير التقنيات الناشئة في مراحل التجنيد والتعبئة والتخطيط للهجمات، وتحليل انعكاساتها على تطور العنف السياسي والعمليات التخريبية. كما يتناول التحديات التي تفرضها الحروبُ الهجينة، التي تتجاوز المواجهةَ العسكرية التقليدية لتشمل التضليلَ الإعلامي والهجمات السيبرانية، والضغطَ على البنية التحتية الحيوية، واستهدافَ الثقة العامة بالمؤسسات. ويستدعي هذا التنوعُ مقارباتٍ تحليليةً تتجاوز الفصلَ التقليدي بين الأمن والتكنولوجيا والسياسة، وتراعي الترابطَ بين الأبعاد الرقمية والميدانية والمؤسسية للتهديدات.
ولا تقتصر غاياتُ المشروع على تشخيص المخاطر، بل تمتد إلى بحث سبل تعزيز الصمود المؤسّسي، وتطوير قدرة الحكومات والمنظمات على الاستعداد للأزمات واحتواء آثارها والتعافي منها. ويشمل ذلك أهميةَ الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات والخبرات، وتنسيق الأدوار بين الجهات المعنية، فضلاً عن تعزيز الوعي بالمخاطر الرقمية وتطوير الأطر التنظيمية التي تضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة. كما تبرز الحاجة إلى تقييم هذه الأدوات بصورة مستمرة، بما يَحُدُّ من إساءة استخدامها ويحافظ على التوازن بين المتطلبات الأمنية والحقوق الأساسية.
وجديرٌ بالذكر أن الفعالية المخصصة للتعريف بالمشروع، التي أدارها مكتب «تريندز» الافتراضي في برلين، قد شهدت استعراضَ محاوره البحثية وأبعاده التطبيقية، بمشاركة ممثلين عن الجهات المتعاونة، حيث تناول النقاشُ أهميةَ الربط بين التحليل البحثي والخبرة الأمنية العملية، وفهم التحديات التي تواجه المؤسسات عند التعامل مع التهديدات المدعومة بالتكنولوجيا.
ويعكس التعاونُ بين «تريندز» و«موسكون» أهمية الشراكات الدولية التي تجمع المؤسسات البحثية بالخبراء المتخصصين، وتُسهم في إنتاج معرفة تستند إلى التحليل العلمي والخبرة الميدانية. كما يؤكد أن التعاملَ مع التهديدات الأمنية المستقبلية يتطلب الانتقالَ من الاستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى استشرافها والاستعداد لها، من خلال فهم اتجاهاتها وتطوير سيناريوهات عملية لمواجهتها.
ومن المتوقع أن تُسهم مخرجاتُ المشروع في إثراء النقاشات الأكاديمية والأمنية، وتقديم رؤى وتوصيات تدعم صنّاعَ القرار والخبراء في فهم العلاقة المتغيرة بين الذكاء الاصطناعي والعنف السياسي والحروب الهجينة. وبذلك، يمثّل المشروعُ خطوةً نحو تعزيز البحث الاستشرافي والتعاون الدولي، وتطوير مقاربات أكثر مرونةً وفاعلية لحماية المؤسسات والمجتمعات، في بيئة أمنية تتسم بالتعقيد والتغير المستمر.
*باحثة رئيسية/ مديرة إدارة دراسات الذكاء الاصطناعي - مجموعة تريندز


