رشحت دولةُ الإمارات العربية المتحدة معالي لانا زكي نسيبة، وزيرة دولة، لوظيفة أمين عام هيئة الأمم المتحدة، وقد شغلت منصب المندوب الدائم للدولة لدى هذه المنظمة العالمية العتيدة لعدة سنوات، وخبرت أروقتَها وأتقنت نظمها المؤسسية، وتولت رئاسةَ مجلس الأمن الدولي مرتين، كما أنها تتحدث بطلاقة لغتي العمل الأساسيتين في المنظمة، وهما الإنجليزية والفرنسية.
وباختصار تبدو لانا نسيبة مرشحةً مثاليةً لخلافة الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش الذي تنتهي ولايتُه نهايةَ العام الجاري. وليس من همنا تعداد الصفات الشخصية لمرشحة الإمارات، والتي هي دون شك منافسٌ قوي في تصفيات الوظيفة الأممية السامية، مع بروز شبه إجماع دولي على إسناد هذه المسؤولية العليا لامرأة قادرة على قيادة هذه السفينة عصية الانقياد في ظرفية عالمية شديدة التعقيد والصعوبة.
وما نريد قولَه هو إن الدبلوماسية النشطة لدولة الإمارات مؤهلة راهناً لتصدر المشهد الدولي.
ومعلوم أن الدبلوماسية الإماراتية قامت على مرتكزات أربعة كبرى، يمكن استخلاصها بسهولة من القرارات والمبادرات التي اعتمدتها الدولة في السنوات الأخيرة. من هذه المرتكزات اعتماد السلم رؤيةً استراتيجيةً ثابتةً في بناء العلاقات الدولية، وهو المبدأ ذاته الذي قامت عليه هيئة الأمم المتحدة قبل ثمانين عاماً.
والسلم كما تفهمه الإمارات ليس انعكاساً لموازين القوة الظرفية، بل هو خيار مبدئي ثابت يجب أن يحكم الروابطَ بين الشعوب والبلدان، بمنأى عن استراتيجيات الهيمنة والتسلط والإكراه التي تقود حتماً إلى الحروب والعنف. وهكذا ندرك كيف سعت الدبلوماسيةُ الإماراتية دوماً إلى الوساطة الناجعة في النزاعات بين الدول، ومن آخر مظاهر هذه المقاربة الوساطة في الملف الأوكراني التي سمحت عدة مرات بإطلاق سراح مئات الأسرى من الروس والأوكرانيين. هذه هي الرؤية التي تحكم سياسة الإمارات في مختلف القضايا الإقليمية والدولية.
المراكز الثاني هو العمل الإنساني القائم على منطق التضامن والتكافل والتدخل السريع الناجع في الأزمات الغذائية والصحية والحروب الأهلية والكوارث الطبيعية بما جعل من الإمارات ثالث أكبر مانح سنوي للمساعدات الإنسانية، بحجم يصل ملياراً ونصفَ المليار دولار. ولم تستفد الدول العربية والإسلامية وحدها من هذا العون السخي (كما هو حال غزة والسودان ولبنان)، بل امتد أيضاً إلى الساحة العالمية الواسعة، ومن آخر مظاهره الجسر الجوي الإغاثي إلى النيبال لمواجهة الآثار المترتبة عن الفيضانات والانزلاقات الأرضية التي عرفها هذا البلد الآسيوي. وبما أن العمل الإنساني في أبعاده التنموية والحقوقية والإغاثية من أهم مسؤوليات هيئة الأمم المتحدة، فإن الإمارات برصيدها النموذجي في هذا الباب مؤهلة لقيادة هذه المؤسسة العالمية الكبرى.
ثالث مرتكزات الدبلوماسية الإماراتية هو التسامح والحوار من حيث هما خيار استراتيجي ومبدئي ثابت، يحكم العلاقات بين الديانات والقوميات والشعوب والدول، دون إكراه أو عنف. ولعل الإمارات هي الدولة الوحيدة في العالم التي أنشأت قطاعاً حكومياً يُعنى بالتسامح واعتمدت عاماً خاصاً به، وحوّلته إلى قيمة عليا في مدونتها القانونية التي تمنع الإساءةَ للديانات وتكفل حقوقَ الثقافات في التعبير والممارسة.
إن هذه التجربة الاستثنائية تضع الإمارات اليوم في صدارة الأمم المتسامحة في سياق يشهد تنامي النزعات العنصرية الانغلاقية. وما دامت فكرةُ التسامح هي محورُ النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية فإن الإمارات مهيئةُ بحكم تجربتها الخاصة لاستلام أمانة هذا النظام الذي تديره الأمانة العامة للأمم المتحدة.
رابع المرتكزات الدبلوماسية الإماراتية هو محورية فكرة الشراكة الدولية متعددة الأوجه، بما تعنيه من انفتاح واسع على مختلف القوى الدولية التقليدية والصاعدة، ووفق منطق المصالح المشتركة والقيم الجامعة.
في الأسبوع الماضي، تناولنا في منتدى صحيفة «الاتحاد» السنوي بأبوظبي موضوعَ التحالفات والشراكات الدولية الجديدة، وقد أبرز المتدخلون أهميةَ هذه المقاربة في التأقلم مع الصراعات والأزمات العالمية الراهنة، بما جعل من الإمارات نموذجاً يُحتذى في العلاقات الدولية.
في هذه الحقبة التي تشهد ما لا يتردد البعضُ في تسميته «الحرب الباردة الجديدة» ويطلق عليه البعض الآخرُ الصراع الجديد بين القوى التقليدية والجنوب الشامل، تبدو الحاجة قوية إلى دور الإمارات في التقريب بين الدول والأمم، بحكم علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف الفاعلة في المعترك الدولي.
ومعلوم أن العربي الوحيد الذي تولى من قبل أمانة الهيئة الأممية هو وزير الخارجية المصري الأسبق بطرس غالي الذي كان مرشح المجموعة الأفريقية، واليوم يجد العربُ فرصةً غير مسبوقة لتولي هذه المسؤولية العليا بدعم ترشيح معالي لانا زكي نسيبة، والتي هي دون شك جديرةٌ بهذه الوظيفة العالمية المرموقة.
*أكاديمي موريتاني

