ما سرُّ هذه المدينة التي كلما ابتعدتَ عنها شدّك إليها الحنين؟ وما هذا الذي تجده في شوارعها، وعلى شواطئها، وبين جزرها، حتى تألفها نفسك، ويطمئن فيها قلبك، ويصعب عليك فراقها؟
أحسب أن من عاش في أبوظبي يعرف الجواب، وإن عجز عن تشخيصه، يعرفه عندما يسافر، فيأخذ في عدّ الأيام لحين عودته، وحين يرى مدينة جميلة فيعجب بها، ثم يجد في نفسه شوقاً إلى أبوظبي، كأن له فيها موعداً مع نفسه، وكأن شيئاً من قلبه بقي على شاطئها ينتظره، إنها عروس المدن التي اجتليناها، تشعر عند وداعها كأنك تفارق الفردوس بجماله وسحره.
يكمن سرُّ الحكاية في قيادة من خيار أبناء خيار، أخذت عن الوالد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان زايد، طيّب معدنه، وسعة قلبه، وحكمته في بناء الأوطان والإنسان. وفي ظل سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تمضي هذه السيرة، ويكبر أثرها في حياة الناس. وما هذه الطمأنينة التي نجدها إلا ثمرة عمل موصول، وبصيرة تملأ جنبات الحاضر وتستشرف آفاق المستقبل.
حين أسترجع أبوظبي التي عرفتها، وأتأملها اليوم، يأخذني العجب مما تستطيع الإرادة أن تصنع، تكبر المدينة، وتتسع طرقها، وتتعانق مبانيها، وتظل فيها تلك الألفة والسكينة التي عرفناها، وذلك القرب الذي يجعل اتساعها بهجة، كرمت مغانيها، ولطفت معانيها، وجمعت بين الفخامة والإحكام مبانيها. باب أبوظبي إلى قلب زائرها لما في أهلها من الرفد ولين الجانب وحُسن العشرة، تلقى فيها بشاشة الوجه، وكرم النفس، وطيب المعاملة، حتى يألف الغريب مكانه، ويشعر المقيم بأنه بين أهله، وتمتد به السنوات فيزداد بها تعلقاً، ويصعب عليه أن يختار سواها داراً.
ولربما خرجتَ فيها لا تقصد مكاناً بعينه، إنما تريد أن تمشي، وأن ترى البحر، وأن تدع عينيك تتنقلان بين زرقة الماء وجمال العمران، تمرُّ بشاطئ فيطيب لك البقاء، وتلوح لك جزيرة فيشدّك إليها الشوق، ويستوقفك معلمٌ ثقافي فترى نفسك على باب حكاية أخرى، إنها نشوةٌ للعين تسري إلى الفكر، وانبهارٌ للبصر والروح.
وتنظر إليها ساعة الأصيل، وقد ألقى الضوء على مبانيها رداءه، وتخلّلت الخضرة طرقها وحدائقها، فتتراءى لك مدينة من ذهب، مرصوفةٌ بالزمرد، قد أحدقت بها البساتين إحداقَ الهالة بالقمر. هذه مدينةٌ على هوى قلبي.. ربوع تخاطب القلب. مدينةٌ أصبح ياسمينها وأشجارها جزءاً من الحياة والسعادة، يا لها من حياة هادئة راضية، كأن الجمال جزءٌ من نسيجها اليومي.
ولجزر أبوظبي حكاياتها، للسعديات فنُّها وثقافتها وضياء شواطئها، ولياس بهجتها وحيويتها، وللجبيل سكون القرم، وللبطين جمال الطبيعة، وذاكرة اللؤلؤ وسيرة الآباء الذين حملوا أرزاقهم وأحلامهم على أمواجه، تنظر إليها فتقول: هذه جنة المشرق، ومطلع حسنه المؤنق المشرق. تدخل متحف زايد الوطني، فتقرأ حكاية الوطن، وتستحضر سيرة حكيم رسم لوحة أبوظبي فأبدع، وأودعها من إرثه وقيمه ما منحها روحها وضياءها.
وتشعر بأن قيم زايد حاضرةٌ في أبوظبي، وفي وجوه أهلها، وفي قيادتها، وتستقبل متحف اللوفر بأبوظبي فتلتقي أمامك وجوه الإبداع الإنساني وترى ما أنتجته الشعوب من معرفة يطرزها الجمال. لقد أصبحت أبوظبي مجمع أفراد الزمان، ومطلع نجوم أدباء الأرض، وموسم فضلاء الدهر، يقصدها الفلاسفة والمفكرون والعلماء، ويلتقي فيها أهل الحكمة بأهل المعرفة. يأتيها كلٌّ بما حصّل وما جرّب وما تأمل، فتجمعهم مجالسها، ويتجاذبون أهداب المذاكرة، ويتهادون رياحين المحاضرة، وتضيء سماءها بدور العلم وكواكب الفكر.
وبها أرباب الغايات في كل فن، وآحاد الدهر في كل نوع، هذا أمضى عمره يستنطق أسرار الطبيعة، وذاك يبحث في أحوال الإنسان، وثالث يحمل تجربته وخبرته، نعم في أبوظبي يجدون من يصغي إليهم، ويقدّر علمهم، ويفتح أمامهم سُبل تنمية المعارف وصنع العلم. هكذا تكون أبوظبي منبتاً للعبقرية، وموقداً للنور، ومركزاً للعقول وذهنيات النهوض، وتتطلع بما تجمعه من معارف وخبرات إلى أن تكون موطناً للفكر الإنساني.
في جامعاتها يتعارف أبناء الثقافات، وتتلاقى مناهج النظر، أقلام وعقول تجلس إلى مصابيح الدراسة، تتأمّل وتبحث وتُدير أفكاراً جديدة، وفي بيت العائلة الإبراهيمية يأخذ التعارف والتعايش صورة يراها الزائر ويقف عند معناها، فهي قبلة للسلام ووجهة للقاء، تمشي فيها فتسمع لغات الأرض، وترى وجوه شعوبها، وتجدها قد اجتمعت على حياة يأمن فيها الجميع، فكأن أبوظبي حاضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومحيطٌ من المعرفة، كلما أبحرتَ فيها، اكتشفتَ من العالم شيئاً، ومن نفسك أشياء.
* مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


