أجواء ساخنة على وقع الانتخابات التي تشتعل في دول عدة حول العالم، ففي البرازيل عاد لولا داسيلفا ليتربع على مقعد الرئاسة للمرة الرابعة بعد نجاحه في جولة الإعادة على حساب فلافيو بولسونارو.أما في إسرائيل، فلم تُسفر الانتخابات عن فائز واضح، فلم يحصل بنيامين نتنياهو، ولا منافسه الرئيسي غادي آيزنكوت، على أغلبية في الكنيست المؤلف من 120 مقعداً، وبات نتنياهو في وضع صعب، والخيار الأول أمامه أن يتخلى عن تحالفه مع المتطرفين أمثال بن غفير وسيموتريتش.
والمفارقة أن المقاعد التي خسرها نتنياهو وتحالفه، صبّت في صالح الأحزاب العربية والتي تضاعفت حصتها، فحصدت «القائمة المشتركة، والقائمة الموحدة» 19 مقعداً، وهي أعلى حصيلة حققها العرب منذ عام 1949، ليصبحوا كتلة برلمانية وازنة لا يمكن تجاوزها، وربما لعبت دوراً مؤثّراً في تحديد من يتولى الحكومة المقبلة. وإذا أراد نتنياهو أو آيزنكوت المنصب، فعليهما البحث عن صيغة للتفاهم مع الكتلة العربية.حقيقة النتيجة التي حققتها الأحزاب العربية كانت مفاجأة، لا بدّ أن نعترف بأننا لم ننتبه بالقدر الكافي لقطاع كبير من فلسطينيي الداخل أو ما يطلق عليهم عرب 48، والذين نجحوا في فرض إرادتهم وإجبار الاحتلال على التعايش مع حقيقة وجودهم والإقرار بحقوقهم المشروعة في الحياة بكرامة تامة.
بيد أن معركة التجديد النصفي لمجلسي الكونجرس الأميركي (النواب والشيوخ) هي درة الانتخابات، والتي تستحوذ على اهتمام كافة دول العالم، ولما لا؟ فأميركا دولة عظمى تنفرد – حتى الآن – بقيادة العالم، تمتد تأثيراتها إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والأمن الدولي، والتحالفات العسكرية، والمؤسسات والمنظمات الدولية.
تركيبة الكونجرس تؤثّر بشكل كبير في رسم السياسة الخارجية الأميركية، ووفق الدستور الأميركي، فإن الكونجرس بمجلسيه ليس مجرد مؤسسة تشريعية مهمتها إصدار القوانين ومراقبة أداء الحكومة، بل يؤدي دوراً محورياً في إقرار الإنفاق العام، والموافقة على الميزانيات الدفاعية، وممارسة الرقابة على الإدارة، والتأثير في صياغة التشريعات المتعلقة بالتجارة والعقوبات والعلاقات الدولية.
وبينما بدأ الناخبون (نحو 250 مليون) الإدلاء بأصواتهم مبكراً في عدد من الولايات، يربط الناخب الأميركي اليوم بين السياسات الخارجية لإدارته، مثل الحروب والرسوم الجمركية، وبين تكاليف معيشته والرعاية الصحية التي يتلقاها.
ويسعى الحزب «الجمهوري» الذي ينتمي له دونالد ترامب للاحتفاظ بالسيطرة على أغلبيته، لكن انخفاض شعبية الرئيس إلى أدنى مستوياتها في ولايتيه الرئاسيتين، بما لا يتجاوز 33%، يصبُّ في مصلحة الحزب «الديمقراطي» ومرشّحيه في أحدث استطلاعات الرأي.
يحتاج «الديمقراطيون» إلى إضافة أربعة مقاعد لما لديهم لإنهاء أغلبية «الجمهوريين» والبالغة 218 مقعداً، مقابل 214 في مجلس النواب و53 مقابل 47 في مجلس الشيوخ، ومن المتوقع وفق الاستطلاعات أن يسيطر «الديمقراطيون» على مجلس النواب، لكن المنافسة في مجلس الشيوخ متقاربة إلى حدٍّ يصعب معه التكهن بالنتيجة.
وبحسب المؤسسات المتخصصة، حطّم الإنفاق على الإعلانات السياسية في هذه الانتخابات الأرقام القياسية وتجاوز 11.6 مليار، والمال هنا لا ينفق بصورة عبثية، بل دوره كبير في حسم النتائج، وعبر كل العصور لعب دوراً مؤثّراً في الانتخابات الأميركية، وكثيراً ما تفوّق مرشح على آخر بفضل جهود وسائل الدعاية والإعلان.
واللافت في مثل هذه الأجواء أن كل شيء مباح، حيث يستخدم المرشح كل ما لديه من وسائل من أجل الإطاحة بمنافسه، ويسعى لتوظيف الأحداث (داخلية أو خارجية) لجذب الناخبين نحوه والتصويت له، على سبيل المثال حاول الرئيس ترامب استغلال الاضطرابات التي تشهدها فرنسا ودول أوروبا واتهم المهاجرين بإشعالها، واستخدمها كفزاعة، مهدداً بوقوعها في بلاده ما لم يَفُزْ «الجمهوريون».
بدوره، وجّه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما انتقادات عنيفة لترامب، قائلاً إنه: (دخل حرب إيران ليصنع مجده، فإذا به يحوّل البيت الأبيض إلى رهينة في مضيق هرمز)، مشيراً إلى أزمة الطاقة وبسببها يعاني المواطن الأميركي في ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
ولأن نتائج هذه الانتخابات تُلقي بظلالها على حياة الناس خارج أميركا، ينتظرها الأوروبيون بفارغ الصبر، على أمل إعادة ترميم العلاقة مع واشنطن، والتي تصدَّعت بشدة بسبب سياسات ترامب وتجاهله لمراعاة مصالح القارة العجوز.
ومع استمرار المواجهات المفتوحة حول مضيق هرمز وباب المندب، يبدو الشرق الأوسط معرَّض للانفجار والتصعيد العسكري من جديد، ولذلك تراقب دول المنطقة الانتخابات باهتمام كبير.
إذن، منطقتنا حاضرة وبقوة في الانتخابات الأميركية واللعب بورقتها له ثقله، بل يمكن اعتبارها حاسمة في يد الفائز.


