منذ أن تناول المفكر العسكري الصيني سون تزو في كتابه «فن الحرب» مبدأ إخضاع الخصم دون قتال، بوصفه أرقى صور التفوق الاستراتيجي، ظل التأثير في إرادة العدو هدفاً أساسياً في الحروب. ومع تعمّق الترابط الاقتصادي العالمي، اتسع نطاق الضغط الاقتصادي على الخصوم ليتجاوز ميادين المواجهة العسكرية.

فقد أتاح انتشار الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة لدول وجماعات مسلحة تهديد الملاحة التجارية والطيران المدني وإمدادات الطاقة، وفرض خسائر على دول غير مشاركة في الصراع، بما يتيح توظيف المصالح الاقتصادية أداةً للابتزاز السياسي.
وتقوم هذه الاستراتيجية على نقل أعباء الصراع إلى منظومة تحالفات الخصم، بهدف التأثير في توازناته السياسية وموقفه التفاوضي. ويراهن المعتدي على دفع الدول المتضررة إلى استخدام نفوذها الدبلوماسي وما تقدمه من دعم عسكري واقتصادي لانتزاع تسوية تحقق مطالبه. وبهذا يسعى إلى تحويل التحالفات من رصيد استراتيجي يعزّز قدرة خصمه على الصمود إلى مصدر ضغط يقيّد استقلالية قراره، وتعويض اختلال موازين القوة العسكرية بمكاسب سياسية.
أوجد الترابط بين التجارة العالمية وشبكات النقل وإمدادات الطاقة نقاط ضعف استراتيجية يمكن استغلالها لإرباك اقتصادات دولية واسعة. وتستفيد الدول والجماعات المسلحة من اختلال معادلة الكلفة بين الهجوم والدفاع، إذ يكفي تهديد ممر ملاحي أو منشأة حيوية لفرض أعباء اقتصادية وأمنية، بينما تتطلب حمايتها تعبئة مستمرة للقدرات العسكرية والموارد المالية. ويتيح هذا الاختلال لأطراف محدودة القوة استنزاف خصوم يتفوقون عليها عسكرياً.
وتتجاوز التداعيات نطاق الأهداف المهددة إلى سلاسل الإمداد والأسواق العالمية، عبر ارتفاع تكاليف التأمين والطاقة واضطراب حركة التجارة والاستثمار. وتكمن الفاعلية الاستراتيجية لهذا الأسلوب في أن مجرد استمرار التهديد قد يحدث أثراً اقتصادياً واسعاً، دون الحاجة إلى هجمات متكررة، بما يجعل توقُّع الضرر عاملاً مؤثّراً في قرارات الأسواق والحكومات.
ويكشف هذا الواقع تفاوتاً في توزيع أعباء الأمن الدولي، فأمن الملاحة وإمدادات الطاقة مصلحة مشتركة للقوى الاقتصادية الكبرى، لكن مسؤوليات الحماية لا تتوزع بالتساوي. وقد تتعرض الدول التي تتحمل هذه المسؤوليات لضغوط من أطراف تفضّل تسوية سريعة، ولو تضمنت تنازلات للطرف المسؤول عن الهجمات. ويعكس ذلك خللاً في منظومة الأمن الجماعي، عندما تتعارض المصالح الاقتصادية لبعض الدول مع التزاماتها الأمنية والاستراتيجية.
غير أن نجاح هذه الاستراتيجية ليس مضموناً. فقد ترفض الدولة المستهدفة التنازلات، أو تدفع الاعتداءات الدول المتضررة إلى تعزيز تعاونها. ويتوقف تأثير الضغط على قدرة الأطراف على تحمُّل الخسائر، ومصداقية التحالفات، والبدائل الاقتصادية المتاحة. والخطر أن تتحول الاستجابة للضغوط إلى سابقة تمنح استخدام القوة ضد المصالح الحيوية مردوداً سياسياً يشجع على تكراره.
وتقتضي المواجهة تعديل معادلة الكلفة بين الهجوم والدفاع، عبر تعزيز القدرات الدفاعية وتنويع طرق الإمداد والمخزونات الاستراتيجية، وملاحقة شبكات التمويل والتسليح للحدّ من القدرة على تكرار الهجمات. ويتطلب ذلك تنسيقاً دولياً يحافظ على تماسك التحالفات ويعزز قدرتها على مواجهة الضغوط.
وتتطلب التسوية السياسية التمييز بين معالجة أسباب النزاع وفق التزامات قابلة للتحقق، ومنح مكاسب مقابل وقف الاعتداءات. فاستعادة حركة التجارة مع بقاء وسائل تعطيلها دون قيود فعّالة لا تنهي التهديد، بل تمنحه قيمة تفاوضية في الأزمات المقبلة.
وتتحمل القوى الكبرى مسؤولية تطبيق القانون الدولي دون انتقائية، فازدواجية التعامل مع استهداف الملاحة والنقل المدني تقوّض مصداقية النظام الدولي. ويقتضي ذلك مساءلة الدول عن انتهاكاتها، وإخضاع الجماعات المسلحة لسلطة الدولة، وضمان حماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية.
وتبرز هنا ضرورة إقرار اتفاقية دولية ملزمة تُعزّز قواعد المسؤولية والتعويض عن الأضرار الناجمة عن استهداف الملاحة والطيران وإمدادات الطاقة، وتؤسس آليات مستقلة لإثبات المسؤولية وتقدير الخسائر وإنفاذ التعويضات، بما يشمل مساءلة الدول عن أفعالها وعن دعم الجماعات المسلحة متى ثبتت مسؤوليتها وفق القانون الدولي. فاستمرار تحميل الدول المتضررة والمجتمع الدولي كلفة العدوان يمنح مرتكبيه نفوذاً سياسياً، دون تحمل تبعات أفعالهم. والمبدأ الذي ينبغي أن يحكم النظام الدولي هو أن يتحمل المعتدي كلفة عدوانه، لا أن يكافئه العالم على وقف اعتداءاته. 
*كاتب وباحث إماراتي.