ثَمّة رجالٌ ارتبطوا بالوطن ارتباط الروح بالجسد، وأودعوا في مسيرته من غرر المآثر ما يجعل سيرتهم فصلاً من تاريخه، ويأتي في طليعتهم معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، رجلٌ اجتمع له شرفٌ تتابع كابراً عن كابر، وطبعٌ كريم، وهمّةٌ بعيدة المنازع، فألفته منابر الجامعات ومجالس العلم وأفئدة الناس ومناسباتهم.تعود بي الذكريات منذ أن كنت طالباً، إبّان تسنّمه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فقد ارتسمت صورته في وجداننا معلّماً نصوحاً وأباً حانياً، أبقى في نفوسنا ذكراً نديّاً تستثيره رؤيته، ارتبط اسمه بأجيالٍ من خريجي الإمارات، عندما تجالسهم تجد لهم عنده ذكرى عزيزة، يوم تلقّوا شهاداتهم من يده، فاكتملت فرحتهم بحفاوته، وشعروا أن المجد مقسومٌ مشاع، وأن فرحتهم بعضُ فرحة الوطن بأبنائه.
اجتمعت تلك المعاني في النفس بعد أن تشرفنا بمعاليه في حفل تخريج طلبة جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، فتجلّت لنا سجاياه النبيلة وأريحيّته المعهودة. ومن القلب إلى القلب نافذةٌ تنفذ منها المودّة، وقد وجدنا في حفاوته بالخريجين ما يجدّدها، وبكلمته التي وجهها إليهم وهو يخاطبهم ما يحييها، لقد اجتمع في يوم التخريج وفاؤه للقيادة وعنايته بالعلم ومودّته لأبناء الوطن. وأضفى على فرحة التخرّج من كريم حضوره ما تبقى حلاوته في النفوس.
ومع توالي السنين، تتكشّف لنا وجوهٌ أخرى من حصافته واقتداره، فقد اضطلع بأماناتٍ جسام، ونهض بمسؤوليات وزاراتٍ متعددة، يصحبه إخلاصٌ وثيقٌ لقيادته وحميّةٌ شريفةٌ لوطنه. وله لدى القيادة محبةٌ وتقديرٌ أثمرتهما مسيرته الطويلة العامرة بالمآثر والمكرمات. وللثقافة في سيرته حظٌّ وافر، إذ أقبل على رعايتها بفكرٍ رفيع وذائقةٍ مرهفة، يصل حاضرها بميراثها، ويأنس بأهلها، ويعرف أثرها في صقل الأذهان وإرهاف الحس، وقد وجد فيه أهل الفكر والفن راعياً يقدّر صناعتهم، ويصل بها بين الشعوب، مستصحباً أصالة المحتد وسعة الاطّلاع.
ومن عرفه عن كثب، وجد في شمائله تفسيراً للمحبة التي تحفّ به، فهو سهل الجانب، نديّ الطبع، عذب المؤانسة، يشارك الناس أفراحهم، ويواسيهم في أحزانهم، ويتواصل مع قيادات الأديان والثقافات بحفاوةٍ تستريح إليها النفوس، وتراه ينتقل من مؤتمرٍ إلى محفل، موفور النشاط، حريصاً على جبر الخواطر وإدخال السرور على القلوب.
وإني لأذكر أنه أُتيح لي، أثناء إعدادي لرسالتي العلمية حول التسامح في دولة الإمارات، أن أرافق معاليه في رحلةٍ عمل إلى اليونان، وجدت فيها من ثراء التجربة ما أمدّ بحثي وزاد معرفتي بالرجل، واستبان لي رسوخ التسامح في سجيّته، لقد أفضيت يومئذٍ إلى عينٍ من الطبع الكريم جارية، واستقيت من معينه ما تضيق هذه السطور عن استيفائه، وقلت في نفسي كلما تأملت قيمة التسامح فيه: صادف الإثمد الحدقة، والشيء من معدنه لا يُستغرب.
ومهما يسترسل القلم، يبقى معاليه فوق الذي نثني، ففي اقتدائه بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب لله ثراه، مجلداتٌ حافلة، وفي محبته لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مجلداتٌ أخرى، وفي توقيره العلماء وأهل الدين صفحاتٌ من كريم الأدب. وأما برّه بوالده، ففيه قصصٌ عجيبةٌ تستحقّ الأسفار. وفي عيادته المرضى ومواساته وعطاءاته شواهدُ تتكاثر، إذ يسير الجود حيث يسير. ولرحلات قنصه أخبارٌ تتجلّى فيها صلته بميراث الآباء، ولثقافته ومخزون معرفته ذخائرُ يُدرك معها جليسه أن خير جليسٍ في الزمان كتاب. وفي اطّلاعه على العلوم المتقدّمة واستقصائه مستحدثاتها ما يُظهر سعة مداركه، فله هممٌ لا منتهى لكبارها، تستزيد من العلم وتستبقي للفكر نضارتَه.
وبتوجيهات القيادة الرشيدة وجهوده الضافية، تتوطّد في الإمارات أواصر التعارف، ويجد الناس في أكنافها طمأنينة العيش وحسن المعاملة.
ولمعاليه من نفائس الرأي وذخائر التجربة ما تتجدّد فوائده كلما أصغينا إليه، فكلماته في المحافل حصافةٌ ومعرفةٌ، ومجالسه العامرة بأهل الفكر ملتقىً تتداول فيه الآراء، ويشحذ فيه الخاطر. ويجد أصحابها من حسن الإصغاء وكرم المؤانسة ما يُغريهم بمزيدٍ من البحث والعطاء، فيأنسون بعلمه ويستضيئون برأيه.تلك مسيرةٌ ينتظمها التعليم والثقافة والتسامح، وتصل فصولها أمانةٌ راسخةٌ ووفاءٌ للوطن وقيادته، وهو في عطائه قمة سامقة، وفي عمله نهر دافق يجري. أدام الله على معاليه موفور الصحة والعافية، وأبقى همّته الشمّاء عوناً للوطن، وسماحته مفخرةً لقيم الإمارات.
*رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة.


