استدعى الأمر أكثر من 23 كاتباً من دول مختلفة وموزعين على حقول علمية متنوعة كي يسجلوا شهاداتهم وملاحظاتهم المستمدة أحيانا من التجارب العلمية ومن المتابعات الحثيثة حول واحدة من أحلك الفترات في التاريخ العراقي المعاصر. فترة تميزت بإراقة الكثير من الدماء وسفح أنهر من الدموع على الأحبة المغيبين سواء في غياهب السجون وأقبية المعتقلات الرهيبة، أو بين جثث آلاف العراقيين في المقابر الجماعية. هذا الكتاب الذي نعرضه هذا الأسبوع والذي اختار له مؤلفوه الثلاثة والعشرون اسم "الكتاب الأسود لجرائم صدام حسين" شارك في تأليفه مجموعة من الخبراء من علماء الاجتماع والاقتصاد ومن المحامين والصحفيين، بل حتى إن السجناء الذين عانوا التعذيب في معتقلات النظام السابق أسهموا في كتابة بعض الفصول من الكتاب. وقد أشرف على تحرير الكتاب وتنقيحه كريس كوتشيرا، الخبير في قضايا الشرق الأوسط والشؤون الكردية. والكتاب كما يشير إلى ذلك اسمه يؤرخ لمرحلة بالغة الصعوبة في حياة الذين اكتووا بنارها ونالهم القهر والظلم والتعذيب حتى فاضت حياة العديد منهم في غرف الإعدام، أو تحت وطأة الغازات السامة التي خيمت فوق قراهم وبلداتهم.
وبصرف النظر عن السجالات السياسية التي تدور حول الأسباب الحقيقية للتدخل الأميركي في العراق، فإن الكتاب يكشف لنا الوجه الحقيقي لصدام حسين الذي يقول عنه كوتشيرا في مقدمة الكتاب إنه "كان أحد أسوأ الحكام المستبدين الذين شهدهم العالم". فطيلة فترة حكمه التي امتدت على مدى ثلاثين سنة لجأ مع رفاقه في حزب البعث إلى استغلال الفكرة القومية وأيديولوجية شمولية ومتحجرة لتثبيت حكمه، وإقصاء خصومه بقسوة قل نظيرها. وهو في سبيل ذلك ارتكب كل ما يخطر على بال إنسان من إعدامات جماعية مبنية على تهم ملفقة، وتعذيب همجي قضى على العديد من الأبرياء. يورد الكتاب أرقاماً وإحصاءات يشيب لهولها الولدان، فما بين حرب إيران وحربي تحرير الكويت وغزو العراق، بالإضافة إلى حملات القمع العشوائية والمجازر المقترفة ضد الشعب، تسبب نظام صدام حسين في مقتل ما يقرب من مليوني عراقي. إضافة إلى ذلك تعرضت أكثر من 4500 قرية للتدمير الكامل، ناهيك عن استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الأكراد والشيعة من أبناء العراق. وحسب الإحصاءات الأخيرة وصل عدد المقابر الجماعية إلى 288 مقبرة في مختلف مناطق العراق، كما تشير نفس الإحصاءات إلى أن هناك مليون عراقي مازالوا في عداد المفقودين.
وتشير سامي زبيدة، الأستاذة العراقية في علم الاجتماع السياسي بجامعة لندن والمشاركة في تأليف الكتاب أن المجتمع العراقي "تحول إلى مجتمع يعاني من انهيار نفسي جماعي وإفقار ممنهج". فالنظام لم يستعمل الثروات النفطية الهائلة التي ينعم بها العراق إلا من أجل تكريس جبروته، وفرض سلطته على أفراد شعبه. وقد انعكس ذلك على الوضع الصحي للعراقيين، حيث انخفض معدل الحياة بالنسبة للفرد العراقي سنة 2002 إلى 63 سنة، بينما تضاعفت بمرتين نسبة وفيات الأطفال في الفترة ما بين 1980 و2002. وكان الديكتاتور يصاب في أحايين كثيرة بلوثة جبروت السلطة والقمع غير المبرر إلى حد أنه فرض على الموظفين الحكوميين في سنوات الثمانينيات وزنا محدداً لا يجب أن يتجاوزوه وإلا تعرضوا للعقاب. ويذكر الصحفي العراقي زهير الجزيري أن صدام حسين كان يلجأ لكي يكرس شخصيته المتفردة و"المعصومة من الخطأ" إلى تشكيل وقولبة المخيلة الشعبية بالركون إلى الخوف والدعاية. فقد انكب النظام على إعمال آلتي القمع والدعاية على عقول جيل بأكمله من العراقيين إلى درجة أنهم لم يعودوا قادرين على التفرقة بين الممكن والمستحيل، وبين المعقول والخارق في سيرة صدام حسين. والهدف هو ترسيخ صورة الرجل المتواجد في كل مكان والمهيمن على كافة مناحي الحياة. وقد انتشرت صوره ليس فقط في الشوارع والساحات العامة، بل غزت البيوت والأذهان ليتحول صدام إلى وثن يمشي على قدمين وينشر الرعب بين الناس. ويذكر الصحفي كيف أنه شاهد التجاعيد لأول مرة على وجه صدام في مجلة أجنبية، لأن كافة الصور كانت تحرص على إظهار صدام الشاب الذي لا يشيخ ولا يشيب.
ويواصل الكتاب على لسان الصحفي زهير الجزيري كشف فظائع صدام حسين، حيث يروي كيف قام حرس الرئيس سنة 1980 بقتل أحد الشيوخ عندما حاول هذا الأخير الوصول إلى موكب صدام. وبالطبع لم يكن يهدف الشيخ المسكين سوى إيصال رسالة إلى الطاغية الذي لم يمهله حتى للاقتراب منه. وسيظهر هذا الحرص المرضي لصدام على تزيين صورته ليبدو أمام الناس البطل الذي لا يقهر ولا يشق له غبار من خلال تصوير فيلم "الأيام الطويلة" عن المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم. فقد قام المخرج المصري توفيق صالح بتصوير صدام حسين وهو يتألم عندما يخرج الطبيب الرصاصة من ساقه. غير أن صدام، الذي لا يقبل الضعف، اعترض على هذا المشهد. فما كان من المخرج إلا أن غيره لتختفي مظاهر الألم ويظل صدام ثابتا حتى والطبيب يغرس مبضعه عميقا في ساقه. إنه بلا شك جنون ا