ماذا فعلنا نحن في ابن رشد؟
قرأت المقال القيِّم الذي كتبه الدكتور محمد عابد الجابري في هذه الصفحات يوم أمس الثلاثاء وعنوانه ''حضور ابن رشد في أوروبا'' والذي قام خلاله الكاتب الكريم بالتأريخ للتأثير البالغ الذي مارسته المدرسة الرشدية في التمهيد للنهضة العقلانية الأوروبية الأولى، وقد أبرز الجابري بوجه خاص الكيفية التي أثر بها كتاب ''الكليات'' لابن رشد في ترسيخ الرؤية التجريبية التي تتماشى مع التصور الأرسطي البطليموسي الذي ستتلقفه عنه المدارس العلمية الأوروبية لاحقاً· ولكن هذا الحديث على إقناعه وإمتاعه أشجاني كقارئ عربي، حيث ذكَّرني بما آل إليه حال ابن رشد وفكره لدينا نحن العرب· فبعد هجرته الاضطرارية، تقريباً، من الأندلس إلى المغرب، كان فيلسوف قرطبة الفذ على موعد مع محنته الشهيرة، وإحراق كتبه واتهامه في دينه ومعتقده· وحين مات حملت كتبه على شق ظهر بعير، حتى لا يبقى لها أثر في المغرب، وحمل جثمانه هو على الشق الآخر، وتم إبعاده وإبعاد أفكاره· ولم يبق في مخيالنا العربي من ابن رشد إلا أخباراً وتراجم غائمة متناثرة شذر مذر، هنا وهناك· وأما كتبه الفذة فقد عزف الناس عن قراءتها، حتى جاء الغرب المعاصر ونفض باحثوه عنها غبار القرون فأعدنا نحن العرب اكتشافها، من جديد، ولكن من عيون وبمناهج غربية وليس برؤية عربية تعيد الحياة إلى نظرية ابن رشد، أو بكلمة أدق تعيد الرشدية إلى حقلها الدلالي الحقيقي، أعني الحضارة العربية الإسلامية· وما يصدق على ابن رشد يصدق على ابن خلدون أيضاً، وكتابه المقدمة· فإلى متى لا يكون مصير عيون النظريات العربية إلا التجاهل والازدراء من قبلنا، وننتظر الغربيين حتى يعيدوا إحياء روائع مفكرينا فننطلق نحن في الافتخار بها؟ إلى متى؟
منصور زيدان - دبي