كان "ميليوفان جيلاس" واحداً من أبرز رفاق "تيتو" في المقاومة اليوغسلافية ضد النازيين إبان الحرب العالمية الثانية. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، كان من بين الشخصيات الرئيسية التي شاركت في الحكومة الشيوعية. وكان ينظر إليه على أنه الشخصية المرشحة لخلافة "تيتو"، غير أنه أصبح لاحقاً أول وأبرز معارض في يوغسلافيا. ألف "جيلاس" كتاباً نقدياً –نقد معنوي بالأساس- لما سماه "الطبقة الجديدة" التي تتمتع بالامتيازات والحظوات، والتي شكلها المسؤولون الشيوعيون الذين كانوا يحكمون يوغسلافيا ودول حلف وارسو خلال المرحلة التي تلت الحرب. وقد شكل كتابه ذاك أهم بحث نقدي مبكر للحكم الماركسي من داخل النظام الذي انتهى بعد أربعة عقود بسياستي ميخائيل غورباتشوف "الغلاسنوست" و"البيروسترويكا" وانهيار النظام الشيوعي بسبب "تناقضاته الداخلية". ويحكي "جيلاس"، الذي ينحدر من الجبل الأسود (وهذا هو سبب حديثي عنه هنا)، في كتاب آخر بعنوان "أرض بدون قانون" (1958) المراحل الأولى من حياته والعبء التاريخي القاسي في الجبل الأسود، قائلاً إن عائلته كانت "نموذجية من جانب واحد"، ذلك أن رجالاً من أجيال مختلفة توفوا على يد أناس من الجبل الأسود، رجال لهم نفس الدين والأسماء. وفي هذا الإطار كتب يقول: "لقد قتل جد والدي، وجدي، ووالدي، وعمي، كما لو أن لعنة ما كانت تلاحقهم. ويبدو لي كما لو أنني ولدت والدم في عيني. ورغم تعاقب الأجيال، إلا أن السلسلة الدموية لم تكسر. فأول ما رأيت كان الدم، وأول كلماتي كانت الدم". كان الجبل الأسود في القرن الرابع عشر مقاطعة صربية شبه مستقلة، واصلت مقاومة المحاولات التوسعية للإمبراطورية العثمانية حتى بعد أن غزت هذه الأخيرة صربيا نفسها. ومما يذكر أن الجبل الأسود لم تستسلم في أي مرحلة من تاريخها لأي جهة خارجية، وإن كانت أجزاء منها وقعت تحت سيطرة الأتراك وأجزاء أخرى للبندقية. أما في العصر الحديث، فقد تم الاعتراف بجمهورية الجبل الأسود، التي تضم جزءاً من ألبانيا، كدولة مستقلة، وفي 1918 صوتت جمعيتها الوطنية لصالح الاتحاد مع صربيا، لتشكل بذلك الجمهوريتان نواة يوغسلافيا الجديدة –التي أعيد تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية كجمهورية شعبية شيوعية. والحال أن شعب الجبل الأسود صوت قبل أيام لصالح الانفصال عن صربيا. غير أنه كما كان الحال دائماً، فإن استقلالهم يتداخل مع التاريخ، الذي يمتلك في منطقة البلقان قوة وعمقاً كبيرين. ففي يوم الأحد الماضي، اختار أزيد من 55 في المئة من ناخبي الجبل الأسود –نحو 16 ألفاً منهم من المواطنين المقيمين بالخارج والذين عادوا للمشاركة في الاستفتاء– الاستقلال. والواقع أنه منذ الحروب الفظيعة وعمليات التطهير العرقي التي دمرت جمهوريات يوغسلافيا الست القديمة في التسعينيات، صمدت صربيا والجبل الأسود في إطار اتحاد أجوف. ولذلك، يبدو أن الصرب غير راغبين في التضحية بعلاقتهم مع الجبل الأسود. كما أنه من غير المعروف ما إن كان صرب الجبل الأسود سيوافقون على انسحاب البلاد من الاتحاد، علماً بأنهم يشكلون الجزء الأكبر من الأقلية القومية الألبانية-الصربية، التي تمثل نحو نصف مجموع سكان الجبل الأسود البالغ عددهم 700000 نسمة. أما الأقلية الألبانية فتتكون من نحو 50000 نسمة. كما أن تداعيات استقلال الجبل الأسود على إقليم كوسوفو المجاور ذي الأغلبية الألبانية (90 في المئة) غير واضحة أيضاً، ذلك أن إقليم كوسوفو يوجد اليوم تحت إدارة الأمم المتحدة لفترة انتقالية. وفي حين أن أغلبية الإقليم تسعى إلى الاستقلال، فإن صربيا تبدو عاقدة العزم، لأسباب تاريخية قوية، على الاحتفاظ بكوسوفو. هذا وقد عرف صراع كوسوفو أعمال عنف كثيرة من كلا الجانبين، قبل أن يتدخل حلف شمال الأطلسي "الناتو" في 1999 ويشن ضربات جوية على صربيا استمرت 78 يوماً. وقد شكل ذلك درساً صغيراً ومهماً تم إهماله اليوم بخصوص الحدود السياسية والاستراتيجية للقصف لإرغام شعب ما على فعل ما تريده قوة خارجية. غير أن صربيا انسحبت في نهاية المطاف من كوسوفو بسبب مقاومة ألبان كوسوفو وفقدان الصرب لدعم روسيا السياسي. وبطبيعة الحال ستسعى الجبل الأسود الجديدة إلى عضوية مبكرة في الاتحاد الأوروبي، غير أنها لن تنالها، ذلك أن قيادة الاتحاد الأوروبي غير سعيدة باستقلال الجبل الأسود لأنه يشجع، في نظر الأوروبيين، الدعوات الانفصالية الصربية في البوسنة، والهنغاريين الذين يتمتعون بالاستقلال الذاتي في إقليم فويفودينا الصربي. علاوة على أنه يؤجج التوتر السلافي- الألباني في مقدونيا. ويستمر التاريخ في البلقان، مستعداً للتحول إلى إراقة للدماء بسبب الاستفزاز. فإذا كانت الجهود الدولية للتعاطي مع الوضع في البلقان قد قامت على الكثير من النوايا الحسنة إضافة إلى الموارد المادية والالتزامات البشرية، فإنه لا توجد حلول نهائية لمشكلات متشعبة ومعقدة. لم يعد موضوع الجبل الأسود جزءاً من أجندة واشنطن الرئيسية منذ أكثر من عقد من الزمن. والواقع أنه من غير المرجح أن يظهر من جديد هناك، على الأقل إلى أن يتم انتخاب إدارة أميركية جديدة. وهو أمر لا يسر في الحقيقة، ذلك أن واقع منطقة البلقان التاريخي والسياسي يشكل درساً على واشنطن أن تستوعبه في وقت تعمق فيه التزامها في منطقة أخرى من العالم هي الشرق الأوسط. إذ يقوم رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بزيارة إلى واشنطن هذا الأسبوع للحصول على قبر غير معلن لخطة "خريطة الطريق"، التي كان يفترض أن تفضي إلى اتفاقية متفاوض بشأنها مع الفلسطينيين تقضي بإقامة دولتين، مع القدس عاصمة لهما. والواقع أنه في حال نجح أولمرت في الحصول على تأييد جورج بوش لحل حدودي يرى الفلسطينيون أنه غير عادل، فإن مصيراً على الأسلوب البلقاني غير مستبعد، حيث لا يستطيع فيه الفلسطينيون أو الإسرائيليون أبداً وضع الماضي خلفهم. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"