قال لي صديقي زهير- وهو رجل شغوف بالمعرفة لا يكف عن طرح السؤال خلف السؤال- ما هو في رأيك أكثر الأشياء عدلاً في التوزيع بين الناس فلا يختلفوا، ويقنع كل واحد بما عنده فلا يطلب المزيد؟ قلت له: سؤال عظيم، ويحتاج أن يكتب فيه المرء مقالة، لكنني يا صديقي أعتقد أن الإجابة هي عند فيلسوف التنوير الفرنسي (رينيه ديكارت)؛ فهذا الرجل قال إن (العقل) أفضل الأشياء وأعدلها في التوزيع. قد ينظر المرء في المرآة فيتمنى أن يكون أكثر جمالاً، وأطول أو أنحف، ولكن لا يوجد أحد يتمنى أن يغير عقله ومعتقده وما نشأ عليه من أفكار، وكل واحد في الغالب يظن أنه يملك الحقيقة النهائية، ولذا فكل منا متحيز ومتعصب، ومغلق الذهن إلى حد ما، لكن لا أحد يتفطن لهذه الحقيقة المريرة الظاهرة المخفية. وقد يكون أقلنا تحيزاً من تنبه لهذا القانون، فأصلى نفسه حرباً لا هوادة فيها من النقد الذاتي. حتى الصوم، فنحن نصوم في الأعم حسب الأعراف والمفاهيم التي نشأنا عليها، لكن أحدنا لو ولد لقس كاثوليكي في منطقة بايرن في جنوب ألمانيا، لن يصوم كما نصوم، أما من ولد من رجل من جماعة الزن في التيبت، أو جزيرة ساخالين؛ فلربما لن يسمع شيئاً عن الإسلام، ولو سمع فهو ابن لادن وما شابه ذلك، بفعل قوة الدعاية العالمية ضد المسلمين، وقصة الدنمارك والكاريكاتور، أو ورطة البابا الأخيرة، وهي شاهد على ما نقول. قصة ديكارت والنهضة العقلية في أوروبا، تزامنت مع جمود العالم الإسلامي؛ ففي الوقت الذي كان العالم الإسلامي يضع عقله على الرف، ويتوقف الزمن عنده على إيقاعات التصوف، وأحلام قصص ألف ليلة وليلة والسندباد البحري... كانت بذور منهج (الغزالي) في التأسيس المعرفي من خلال مبدأ الشك، تثمر ثمراتها يانعة في جنوب ألمانيا بطريقة مختلفة. يقول ديكارت عن نفسه إن الثلج والبرد، اضطره إلى قضاء الشتاء في جنوب ألمانيا، قريباً من مدينة (أولم)، بينما كانت حرب الثلاثين عاماً الأهلية الطاحنة، تأكل ألمانيا. التجأ ديكارت إلى هذا المكان، وهو فارغ البال من الهم والحزن والهوى. أما الشيء الذي استحوذ عليه فكان إمكانية الوصول إلى الثقة واليقين في كل العلوم؛ وهكذا كتب، بعد أن ودع الفكر القديم وفقد ثقته به، "مقالة في المنهج"، ومما جاء فيها أن "العقل هو أحسن الأشياء توزيعاً بين الناس، إذ يعتقد كل فرد أنه أوتي منه الكفاية، وليس من عادته الرغبة في الزيادة لما لديه منه، ويشهد هذا بأن قوة الإصابة في الحكم، التي تسمى العقل، تتساوى بين كل الناس بالفطرة، وكذلك يشهد بأن اختلاف آرائنا، لا ينشأ من أن البعض أعقل من البعض الآخر، وإنما ينشأ من أننا نوجه أفكارنا في طرق مختلفة، لأنه لا يكفي أن يكون للمرء عقل، بل المهم هو أن يحسن استخدامه، وإن أكبر النفوس عندها استعداد أن ترتكب أفظع الرذائل، مثل استعدادها لأكبر الفضائل". استولى الشك على كيان ديكارت كاملاً، فبدأ يتنفس الشك ويعيش فيه، ويذكر أنه ذات ليلة شعر وكأن دماغه يوشك على الانفجار، ثم انقدح أمامه فجأة (المنهج الجديد) الذي عرف بالمنهج التحليلي الديكارتي. قال ديكارت إنني عندما أشك أفكر؛ حتى لو شككت في كل شيء، بما فيه وجودي بالذات، حتى لو زالت الدنيا كلها، فإن شيئاً لا يزول، ولا يتزحزح وهو أنني أشك؛ أي أنني أفكر. وإذا كنت أفكر، فهناك حقيقة أنني موجود على صورة من الصور، ولكني موجود، فهذه هي الحقيقة الراسخة الوحيدة التي يمكن أن استند إليها في كل عمليات التفكير. هذه الحقيقة الراسخة مهدت الطريق لعصر التنوير في أوروبا، واعتبرت الفلسفة الديكارتية أحد المفاصل الجوهرية التي قامت عليها الفلسفة الأوروبية الحديثة؛ باعتبار أن ديكارت وعشرات من أمثاله، كانوا البناة النظريين للعصر الحديث بكل إنجازاته. فمع حركة العقل، تم تدشين حرية التفكير، ومع حرية التفكير، انطلقت الأبحاث العلمية بدون حدود، ومنه نبعت التكنولوجيا الحديثة والنظم السياسية الديمقراطية.