من الأسئلة الباقية عندي، حول ما قاله فضيلة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر، وما فعله، في شأن مسألة منع النساء والفتيات المسلمات من ارتداء غطاء شعورهن في فرنسا (في المدارس والمؤسسات التابعة للدولة)، السؤال عن واجب المسلمين كافة، وواجب العلماء خاصة، عندما يكون بعض المسلمين في وضع الاضطرار إلى ترك بعض واجبات الدين.
لقد قال فضيلة سيدي الإمام الأكبر: إن المرأة المسلمة التي تعيش في بلد غير مسلم تكون مضطرة إلى التخلي عن ستر شعرها ـ الواجب شرعاً ـ إذا منعتها الدولة التي تقيم فيها من ذلك.
فماذا نفعل نحن لهذه المرأة المضطرة؟
وجدت في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام مسلم، وغيره، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يَظْلِمُه ولا يُسْلِمُه…».
ووجدت في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام الترمذي، وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قول الرسول الكريم: «المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يَكذِبُهُ، ولا يَخْذُلُه...».
والمقصود بتعبير «لا يُسْلِمُه» أن المسلم لا يترك أخاه المسلم يواجه وحده ما يمر به من ظروف قاسية، أو أوضاع لا يملك لها دفعاً؛ بل الواجب عندئذ أن يهبُّ المسلمون في كل مكان لنصرة هذا المسلم الوحيد الذي يعجز في الواقع عن مواجهة ما يحمله على التخلي عن بعض واجبات دينه.
وللنصرة أنواع، يلجأُ إلى كل منها بحسب حال المسلم المحتاج إليها، وكلها تندرج تحت قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (رواه مسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه).
والنصرة في مثل الحالة التي تواجهها اليوم مسلمات فرنسا ـ وغيرها من بلاد أوروبا التي بدأت تحذو حذوها ـ تكون أقوى صورها ببيان الحكم الشرعي القطعي في المسألة التي يراد منهم التخلي عن الواجب عليهن فيها.
والذهاب إلى أن هذه المسألة تخص الدولة الفرنسية وأن العلماء لا شأن لهم بما تقرره هذه الدولة هو «إسلامٌ» للمسلمين أو المسلمات الفرنسيات مما نهى عنه هذا الحديث الشريف المروي عن ابن عمر، «وخُذْلانٌ» لهم مما نهى عنه الحديث الصحيح المروي عن أبي هريرة، وقعود عن «تداعي سائر الجسد» لبعضه المحتاج إلى التقوية والمعونة كما في الحديث الصحيح المروي عن النعمان بن بشير، ونكوص عن التقوية الواجبة لكل مسلم على كل مسلم بحديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».
فكيف ساغ ذلك كله في رأي فضيلة سيدي الإمام الأكبر؟ لا شك عندي أن لديه ما رجح عنده ـ ولو بطريق الطعن ـ إهمال هذه النصوص الصحيحة وعدم إعمالها؛ ولأن الرسول ـ بأبي هو وأمي ـ أمر الناس أن يعلِّموا من يليهم من الجيران ومن في حكمهم، فإنني أسأل فضيلة سيدي الإمام الأكبر أن يَدُلُّنا على ما رآه من الأدلة مسوِّغاً لترك مقتضى هذه الأحاديث الصحيحة، ومجيزاً لخذلان إخواننا المسلمين المقيمين في غير بلاد الإسلام، مع جوابه عن أسئلتي لفضيلته عما جرى ـ فعلاً ـ في شأن منع النساء المسلمات من التزام زيهن المشروع في بعض بلاد الإسلام نفسها، ومنها مصرنا العزيزة.
والذي أظنّه ـ وقد أكون مخطئاً ـ أن سيدي الإمام الأكبر لديه من المستشارين، والأصدقاء الذين يشيرون دون طلب منه، العدد الوافر الذي يستطيع أن يضع بين يَدَيْ فضيلته المعلومات الكاملة عن أية قضية دينية أو سياسية يطلب من سيدي إبداء الرأي فيها.
وأنا موقن أن فضيلة سيدي ينزل عند رأي هؤلاء المشيرين، وأنه يتأسى بما رواه الترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر الناس مشورة لأصحابه.
ورجائي أن يسأل فضيلة سيدي الإمام الأكبر مستشاريه هؤلاء لماذا لم يدلُّه أحد منهم على الموقف المشرِّف الذي وقفه القضاء المصري من قضية الزي الديني لراهب مسيحي كان ـ ولا يزال فيما أعلم ـ أستاذاً بكلية العلوم بجامعة القاهرة.
حاصل قصة هذا الأستاذ الراهب أن الجامعة أصدرت في سنة 1982 قراراً بمنع من لا يرتدي الملابس الإفرنجية المعتادة من دخول الجامعة، ومن ثم صدر قرار بمنع الراهب من دخول كليته وجامعته، ومن مزاولة عمله المعتاد في التدريس الجامعي.
فلما طعن الأستاذ الراهب في هذا القرار رفضت محكمة القضاء الإداري أن تجيبه إلى طلبه، وأيدت قرار الجامعة بمنعه من دخولها مادام مرتدياً زي الكهنوت المسيحي. ولأن الرجل حريص على واجبات دينه، وعلى التزامه الجامعي، فقد طعن في حكم محكمة القضاء الإداري أمام المحكمة الإدارية العليا، وهي أعلى جهات القضاء الإداري؛ فألغت المحكمة الإدارية العليا بحكمها الصادر في 15/6/1986 (الطعن رقم 2761 لسنة 29 ق) حكم محكمة القضاء الإداري، وحكمت للأستاذ الراهب بطلباته، وأوقفت تنفيذ قرار جامعة القاهرة المطعون فيه.
وأيد الفقه الإداري المصري حكم المحكمة الإدارية العليا بالسماح للأستاذ الراهب بدخول الجامعة وممارسة عمله الجامعي في تعليم الطلاب وهو


