قبل أسبوعين من الاحتفال بيوم اللغة العربية، الذي يوافق 21 فبراير، والذي قررته منظمة "اليونسكو" عام 1999 لتكريس أهمية اللغة العربية عالمياً، وتعزيز مكانتها في التعليم، صرح مسؤول في وزارة التربية والتعليم خلال المؤتمر الدولي حول "إدارة التغيير في تدريس اللغة الإنجليزية"، أن وزارته عازمة على تحويل تدريس مواد الرياضيات والعلوم من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، وأن يكون تدريس هذه اللغة من بداية المرحلة الابتدائية. السؤال المهم هنا: أليس من حق الطالب الذي يدرس هذه اللغة أن يكون له رأي؟ أليس من حق المجتمع، خاصة التربويين، أن يكون شريكاً في اتخاذ مثل هذا القرار؟ أنا هنا لا أعترض على مسألة أن يتعلم الطالب لغة أجنبية غير لغته الأم كمادة دراسية مستقلة، خاصة إذا كانت هذه اللغة تمثل حاجة وضرورة لمستقبله، فهذا أمر كان يحدث منذ بداية التعليم النظامي في الدولة قبل أكثر من 35 سنة، حيث كان طلابنا يذهبون إلى مختلف الجامعات الأجنبية لدراسة التخصصات العلمية، في مجالات الطب والعلوم والهندسة، ولم تصادفهم مشكلة في الدراسة، كل ما في الأمر أنهم يخضعون لدراسة اللغة الأجنبية مدة ستة أشهر ويستكملون الدراسة بعد ذلك. والأهم أنهم كانوا يتفوقون على زملائهم الذين درسوا باللغة الإنجليزية، خاصة في مادتي العلوم والرياضيات. اعتراضي هو أن القرار المذكور لم يستند إلى أسس تربوية صحيحة، بل إن غالبية التجارب والدراسات بيّنت خطأ هذا التوجه وخطورته على عقل الطالب ومستقبله، وهذه بعض الأمثلة: أولاً: الدراسة المسحية التي أنجزها خبراء إنجليز على عشر دول أفريقية تدرِّس اللغة الإنجليزية وتستخدمها لغة تدريس، والتي أشارت نتائجها إلى الآتي: 1- إن اللغة تحمل في طياتها ثقافة أصحابها، وبالتالي فهي ذات أثر كبير على المناهج الدراسية. 2- إن التدريس باللغة الأم يكوّن رابطة تكامل وثيق بين التعليم المدرسي والتعليم الذي تؤديه الأسرة والمجتمع. 3- إن من أهم غايات التعليم في المرحلة الابتدائية، تعريف الطالب على محيطه، من خلال أنشطة شفوية في معظمها، أي باللغة الأم. 4- إن استخدام اللغة الإنجليزية لتدريس مواد كالعلوم والرياضيات، يتضمن أنماطاً من الثقافة الغربية قد تفهم بطريقة خاطئة، كونها في سياق حضاري مخالف لسياقها الأصلي. 5- إن الاعتقاد بأن الإدخال المبكر لتعليم اللغة الإنجليزية، يسهّل تعليمها للطلبة، اعتقاد خاطئ. 6- إن الأطفال لا يستطيعون تعلم لغتين مختلفتين في آن واحد بمستوى مقبول. 7- إن الأطفال يتعلمون الإنجليزية بمستوى أفضل إذا ما تأخرّ تدريسها إلى ما بعد تعلم اللغة الأم واكتساب مهاراتها. ثانياً: تقرير البنك الدولي الذي أصدره عام 1996 الذي أشار فيه إلى أن أفضل لغة للتعليم في جميع المواد الدراسية في المرحلة الابتدائية، هي اللغة الأم. ثالثاً: التقرير الذي أصدره مجلس أبحاث العلوم الإنسانية في جنوب أفريقيا، وقد شدد على ضرورة تعزيز تعلم اللغة الأم في سنوات الدراسة الابتدائية. رابعاً: الدراسة التي أجرتها ماليزيا والتي أثبتت أن الطالب الصيني والتاميلي يكتسب العلوم بشكل أفضل إذا تعلمها بلغته الأم. خامساً: القرار الهندي الذي أشارت إليه مجلة "المعلم" في عددها 142 حول حظر حكومة "بانجالور" التدريس بغير اللغة المحلية، وذلك في 2000 معهد كانت تستخدم الإنجليزية، رغم أن "بانجالور" فيها أكثر من 1500 شركة تتعامل مع التكنولوجيا وتصدر ما قيمته 8 مليارات دولار سنوياً من الصناعات التكنولوجية. سادساً: اليابان التي لا تدرّس اللغة الأجنبية في المرحلة الابتدائية، بل إن وزير التعليم الياباني شبّه اللغة الإنجليزية بالحلوى، واليابانية بالبروتينات والنشويات، إذ تأتي البروتينات والنشويات أولاً ثم بعد ذلك الحلوى. لذلك فإن الإدخال المبكر للغة الإنجليزية، لا يحقق معادلة التطور والتنمية التي نسعى إليها، بل نتيجته الوحيدة إحلال اللغة الأجنبية، بما يعنيه ذلك من مضاعفات خطيرة على الهوية الوطنية.