بما أن نطاق النقاش حول عروبة مصر قد اتسع في الصحافة المصرية، ليشمل كُتاباً كثيرين بعد أن كان محصوراً بين الكاتب الدرامي الذي أثار الموضوع وزميل له من الكُتاب المسرحيين، وبما أن النقاش قد انتقل من سطور الصحف إلى القنوات الفضائية التي وجدت في الموضوع مادة مثيرة... وبما أن موقفي يقوم على اعتبار هذا النقاش نوعاً من الجدل غير النافع للعلاقات المصرية- العربية، وأنه يأتي تعبيراً عن إحباطات سياسية أكثر من اتصاله بالهوية، سواء كانت هوية الجنس أم هوية الثقافة، فإنني أستعين هنا بمفكر علمي من الطراز الرفيع وصاحب أهم المؤلفات حول الهوية المصرية، إنه الراحل الدكتور جمال حمدان مؤلف الكتاب الموسوعي الضخم "شخصية مصر" 1984. الاستعانة هنا تهدف إلى الابتعاد بالنقاش عن جوانب الإحباط الناتجة عن سياسات عربية خاطئة، وأحياناً شديدة الحماقة من نوع غزو الكويت من جانب النظام "البعثي" الذي كان يتبنى شعار الوحدة العربية، ويُعلي من شأن الهوية العربية على الخصوصيات القُطرية. فمثل هذه السياسات تبقى في تقديري، محصورة في إطار الصعيد السياسي دون أن تنال من وحدة الهوية الثقافية التي تنتظم فيها الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج وتميزها عن الشعوب المجاورة لها مهما شهد الصعيد السياسي من خلافات. يرى جمال حمدان، وهو الجغرافي الذي امتلك ناصية التحليل المستند إلى كافة العلوم الاجتماعية والإنسانية، أن كل أجزاء العالم العربي خارج الجزيرة العربية، دمغت بصورة أو بأخرى بأنها ليست عربية ولكنها مستعربة، على أساس أن السكان قبل التعريب لم يكونوا عرباً جنسياً، ولكن هذا الأساس ينهار من اللحظة التي يتطلب فيها "عروبة الجنس"، فالعروبة مضمون ثقافي لا جنسي أولاً. ورغم هذا التأكيد من د. حمدان على المضمون الثقافي للعروبة، فإنه يستخدم معارفه الجغرافية والأنثروبولوجية ليدلل على التقارب الجنسي بين سكان المنطقة الواقعة من المحيط إلى الخليج، فيقول: كل الغطاء البشري الذي يغطي ما يعتبر الآن العالم العربي هو أساساً فرشة واحدة من جذر واحد، وعلى الأقل، فإن الاختلاط والانصهار الدموي بين العرب الوافدين والسكان الأصليين حقيقة تاريخية بعيدة المدى، على أن الذي يكشف خواء المناقشة من أساسها ويجعلها جوفاء حقاً أنها تمثل منطق مزايدة وهروب، ففي عقر دار العرب ستظل تجد العرب العاربة والعرب المستعربة. ويرى "حمدان" أن مصر لم تكن الوحيدة التي أثير حولها هذا الجدل، فالسودان وصف بأنه أفريقي وليس عربياً والمغرب زعموا أنه بربري لا عربي، وقيل عن لبنان حيناً والشام حيناً آخر إنه فينيقي، وهي جميعاً تخريجات سياسية واضحة ترمي إلى التشكيك في الهوية العربية. حول موضوع الجنس يتساءل "حمدان" قائلاً: أين الحقيقة إذن في عروبة مصر؟ أين هي من الفرعونية القديمة؟ وهل هناك حقاً فارق بين نوع العروبة شرق السويس وغربها كما يزعم بعض الدعاة؟ يجيب حمدان من خلال معارفه الجغرافية عن العصور القديمة السابقة على الإسلام بل وعلى العروبة، فيقول: "إذا بدأنا من البداية، فإن أول ما يجابهنا هو أن الفرشة الجنسية الأساسية التي كانت تغطي نطاق الصحارى في العالم القديم من المحيط إلى الخليج، كانت تنتمي إلى أصل واحد متوسطي، وفي العصر المطير حين كانت الصحراء سفانا كانت كثافة السكان مخلخلة جداً. وفي هذا الإطار كانت الحركة والهجرة والترحل ظاهرة دائمة، ومن ثم كان الاختلاط الجنسي أساسياً ولا محل لعزلة أو نقاوة، وكل الذي حدث بعد ذلك مع عصر الجفاف أن تجمعت كل مجموعة من هؤلاء السكان في رقعة محدودة، ومعنى هذا أنه حدث تقطع في الغطاء القديم المتجانس جنسياً إلى عدة رقع متباعدة جغرافياً ولكنها تظل متجانسة جنسياً، وهذا بالدقة مفتاح أنثروبولوجية عالمنا العربي، فشعوب المنطقة جميعاً قبل العرب والإسلام هم أساساً وأصلاً أقارب انفصلوا جغرافياً ابتداء من العراق إلى الشام إلى الجزيرة العربية ومن مصر إلى المغرب، أما التوطن المحلي والمؤثرات الدخيلة الموضعية والتزاوج الداخلي الذي حدث بعد ذلك فلا يمكن أن ينتج أكثر من ابتعادات محلية ضئيلة لا تغير من وحدة الأصل الدموي وتجانس العرق في كثير، ويظل العالم العربي أو بيت العرب الجغرافي الكبير، هو دوار العرب بمعنى الأسرة الموسعة التي تضم عدة أسر نووية". أما فيما يتعلق بالأصل القريب للعرب، فيقول عالمنا الراحل: "نحن نعرف دينياً وتاريخياً أن إسماعيل هو أبو العرب العدنانيين، لكننا نعرف أيضاً أنه ابن إبراهيم العراقي من هاجرْ المصرية، كما نعرف أن العرب العدنانيين هم أبناء إسماعيل من زوجة مصرية أيضاً، وإذا كان لهذا أي معنى إنثروبولوجي فهو أن العرب أنصاف عراقيين وأنصاف مصريين. ويكفي أن النبي الذي تزوج ماريا المصرية هو القائل عن مصر للعرب إن لكم فيها ذمة ورحماً. أعتقد أن "حمدان" يقدم للمتناقشين مادة جادة تستحق الاهتمام حول عروبة مصر ومصرية العرب جنساً وثقافة.