السيارة إحدى نتائج الصناعة الغربية الحديثة، وإن كانت آسيا اليوم تناطح أربابها، فقد أصبحت هذه الصناعة تجوب العالم بأسره، وأكبر من أن تكون مجرد سيارة تستعمل للمواصلات والمتعة، بل إنها تكشف لمن يحسن القراءة في خصائصها ومميزاتها حقائقَ دولية صناعية وتكنولوجية واقتصادية وحتى سياسية، وترسمُ عبر مراحل تطورها وانتشارها وأهميتها المتزايدة أفاقاً مستقبلية كبيرة ومهمة، وصوراً اقتصادية وصناعية ذات أبعاد. والسيارة في وقتنا الحاضر كثيرةُ العَطل والتوقف ولحوحةُ في طلب الصيانة، ومدعاةُ ذلك دخول التكنولوجيا عبر البرامج والمعالجات والتحكم التي توفرها شرائح وأجهزة الكمبيوتر في عمليات معقدة. ولم تكن هذه الطفرة التكنولوجية في السيارات وليدة حاجة المستهلك بقدر ما هي وليدة حاجة أصحاب العلوم والصناعات الإلكترونية والبرامج، فهذه السيارة وتلك وغيرها التي تعمل بالتحكم الإلكتروني والبرامج الحاسوبية وذاكَ العَطل المتكرر فيها وتلك الصيانة لأحوالها يُعد أحد المخرجات الاقتصادية والسياسية والصناعية المعقدة التي خرجت بانتهاء الحرب الباردة، فعندما وضعت أوزارها بحث أصحابُ البرامج والمعالجات الحاسوبية المتناهية في تعقيدها عن أسواق فوجدوا أن انتشار الحاسب الآلي وصناعته والاتصالات والأجهزة الطبية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية لا تكفي لعالمهم الإلكتروني المتقدم، فبحثوا عن مجالات أخرى، وكان أحد هذه المجالات صناعة السيارة المعاصرة، وهنا دخلوا السوق ليقدموا سُبلاً أكثر تطوراً وتميزاً وراحة. ويمكن أن نجزم بأن الحرب الباردة كانت أكبر وأعظم محفز للتطور والبحث في عالم المعالجات الإلكترونية، وهو الأمر الذي بدأ في الجوانب العسكرية ولدواعٍ مخابراتية، كما استخدمت في جمع المعلومات وتخزينها وإعادة طرحها واختيار الحلول عبرها، لتأتي اليوم بما يسمى الثورة المعلوماتية والإلكترونية والطفرة العلمية في جوانب شتى للحياة، لتحدثنا عن حقبة الحرب الباردة وكم كانت مانعة للتكنولوجيا ومحفزة في نفس الوقت للدول الكبرى والصناعية، وهو ما يجد تعليلاً له في الصراع الإيديولوجي الكبير الذي كان سائداً في تلك الحقبة. وهناك جانب اقتصادي دولي ليس بالبسيط، بل إنه مهم ويظهر في ما يتدلى من قطرات البنزين في محطات الوقود، فاقتصاديات النفط لها رابطة قوية بصناعة السيارات وتطورها وانتشارها، فالنفط عبر أحد مشتقاته وهو البترول الذي منه وقود الطائرات والديزل الثقيل والبنزين الذي يستخدم في معظم السيارات حول العالم، يخلق رابطة قوية بين شركات ومصافي النفط العملاقة وشركات السيارات، بحيث يمثل انتشار السيارة وتعدد مستوياتها لتشمل معظم الشرائح الغنية والمتوسطة والفقيرة زيادة كبيرة في طلب البنزين مما يعكس الدور نفسه في ضمان استهلاك كبير حول العالم من إنتاج المصافي النفطية الكبيرة. ويمكننا القول إن هذه الرابطة تاريخية حيث بدأت بسيطة ثم ازدادت تداخلاً... وفي سياق النفط والسيارة، يكشف لنا تطور السيارة إلى نوع يعمل بالغاز عن قوة الضغط الكبيرة على البنزين، وعن الحاجة البيئية الضرورية للتقليل من التلوث. كما أن إيجاد بدائل للنفط بدأ بالسيارة لكونها إحدى أهم الصناعات الحديثة والمستقبلية، وليس أدل على ذلك سوى خروج سيارة ضعيفة القوة تعمل على الطاقة الشمسية لتقول السيارة لنا أنا باقية مهما حدث للموارد، فها أنا ذي أعمل على طاقة أزلية مع الحياة... وعندما أراد جورج بوش أن يسكب البنزين على السياسة سعى في خطابه عن "حالة الاتحاد" في 23 يناير 2003 إلى تصوير صقورهِ وإدارته كصديقين للبيئة ولتقليل الاعتماد المتبادل على النفط الأجنبي ليقترح تخصيص 1.2 مليار دولار لتمويل بحوث لتكون أميركا رائدة العالم في تطوير سيارات نظيفة تسير بالهيدروجين وليقلل من الادعاءات القائلة إن إدارته أسيرة المصالح النفطية. وفي الحروب والصراعات كانت أدخنة النفط حاضرة في حروب الخليج الثلاث لتكون وقود الحرب بين الثورة الشيعية الإسلامية والقومية البعثية العربية العراقية وأيضاً في أحد أهم الأسباب والأطماع للغزو العراقي للكويت، وتأتي الأخيرة لتبرز الدور الضاغط للشركات الكبرى والحصول على الأسواق وخروج النفط إلى الاقتصاد العالمي. وحتى الوضع الراهن لأمن الخليج والطموح الإيراني للتكنولوجيا النووية والصراع مع الغرب، ومحاولة روسيا العودة كدولة عظمى، لا يخرج عن دولاب وأوراق اللعب بالنفط والغاز. في جانب آخر شكلت أدخنة النفط والغاز سحباً للتنمية والأهمية لمنطقة الخليج وغيرها كما انعكست على الشرق الأوسط بصراعاته وفعالية دولهِ، وانعكست أيضاً على صناعة السيارة، فحرب أكتوبر 1973 كانت أول حدث لدخول السيارات الصغيرة الحجم، وذلك بسبب دور الدول النفطية العربية في الحرب، فهذا الحدث وتداعياته على أسعار النفط أوجد الطلب على السيارات الأقل استهلاكاً للبنزين وأصبح هذا النوع من السيارات ينتشر وينجح، وأخذت تطلبه شرائح متوسطة وفقيرة وحتى غنية إلى يومنا هذا، بل إن التوجه الآن في الولايات المتحدة يميل إلى هذه السيارة. فالعالم اليوم في نظر كبار المستشرفين للمستقبل يتراوح بين نظرة صراع وصدام بين الحضارات، وبين نهاية التاريخ عبر النهج الليبرالي الغربي إلا أن الواقعية حول الصراع حول الموارد الطبيعية وتأمينها واستغلالها أكثر تسليماً والتي يبرز منها مورد النفط والغاز بقوة شديدة. وإذا أقحمت نفسي معهم فإنني أقول إن النفط والغاز يكتب مزايا وحقائق وقوة حضارات وأديان ومذاهب وعقائد وأيديولوجيات وأنظمة معينة. ومع التسليم بأن التطور التاريخي للرأسمالية كان قائماً على نمو التصنيع، فإنه كان مع ذلك مرناً في انتقال الشركات النفطية وتكيفها مع الأنظمة المختلفة التي تمتلك المورد النفطي، واليوم تكشف العولمة في إطار انتشار النظم الرأسمالية حول العالم عن ظاهرة عمليات اندماج وبيع علامات السيارات المختلفة التي تنجرُّ نحو الشركات الأكثر انتشاراً وقوة في العالم، والتي تستفيد من فائض القيمة في بلدان تتوافر فيها قاعدة عمالية كبير وماهرة كما، أن تلك البلدان تمثل محوراً استراتيجياً لقربها من أسواق كبيرة، وبذلك فإن الشركات تكسر البعد الجغرافي والأجور الكبيرة. ومما لاشك فيه أن الكثير من الصناعات والآلات والأدوات تعمل بالطاقة النفطية ومشتقاتها، ولكن تبقى السيارة أشد تلك الصناعات تأثراً باقتصاديات الموارد وتطور التكنولوجيا والصناعة، بل إنها تطال حتى خصائص الفرد الإيديولوجية والاجتماعية، فاستناداً إلى دراسة أجريت في الولايات المتحدة عن صناعة السيارة وجدوا أنها تمثل حرية الفرد وتوجيه نفسه بنفسه والشعور بالخصوصية، فهي رمز من رموز الليبرالية الغربية. وتحضرني في هذا الشأن أغنية ساذجة، أتذكر في طفولتي وعندما كنا تلاميذ صغاراً نردد مع أحد المدرسين "سارت السيارة" و"طارت الطيارة" و"وقفت السيارة" و"حلت الطيارة"، ربما كانت ساذجة سذاجةَ طفولتنا البريئة، غير أني أقرؤها اليوم بلغة السوق وتوازناته، أغنية تتحدث عن تطورات ومستجدات مستقبلية مهمة في الاقتصاد والتكنولوجيا العالمية. ولي في أهميتها وأثرها على القطاعات الأخرى طُرفة، حيث دخلتُ أحد محلات النظارات الشمسية والطبية فرأيت ألواناً متعددة وأنواعاً شتى، فقلت للبائع: كثيرةٌ هي ألوانكم.. فقال، لكي تناسب لون الملبس ولون السيارة، وعندها حدثتني نفسي عما إذا كانت ستحدد لي شريكة الحياة أيضاً، أَوَلَيست السيارة دليلاً على مظهر ما؟