الدولة الوطنية في عالم متغير
ما هي التحديات التي تواجه الدولة الوطنية في ظل التحولات العالمية الراهنة؟ وكيف تؤثر هذه التحولات على قوة الدولة الوطنية ووظائفها؟ وما هي أوجه تعامل الدولة الوطنية مع التحديات الجديدة؟ أسئلة محورية يحاول الإجابة عليها كتاب "الدولة في عالم متغير"، لمؤلفه سعيد الصديقي، وهو باحث في العلاقات الدولية وأستاذ العلوم السياسية في الجامعات المغربية. ففي تسعة فصول وحوالي 200 صفحة من الورق المتوسط، يتناول المؤلف مفهوم الدولة، وتحديات السيادة الإقليمية، وتآكل السيادة، وشبح العولمة، والتفاعلات العابرة للأوطان، وأولوية حقوق الإنسان إزاء سيادة الدولة، والهجرة كتحد لمفهوم المواطنة، وأخيراً تعثر الدولة الوطنية في عالم الجنوب.
لا شك أن التحولات التي عصفت بالعالم منذ نهاية الحرب الباردة، هزت العديد من مرتكزات الدولة الوطنية؛ مثل الحدود، والسيادة، والمواطنة... ليتطور الجدل حول واقع الدولة المعاصرة ومستقبلها، حيث ظهرت تعبيرات كـ"موت الدولة" و"الدول الفاشلة"، لكن رغم ذلك ثمة من يشكك في جوهرية ما يحدث من تحولات وفي تأثيره على الدولة.
يستقصي الكتاب جذور "الأزمة" وعواملها المختلفة، ويعود إلى عام 1648 حينما عقدت الدول الأوروبية معاهدة "ويستفاليا" التي أنهت حروب الثلاثين عاماً الدموية بينها، وقد مثلت المعاهدة المذكورة أول اعتراف قانوني بسيادة الدولة. وفي مناقشته لمفهوم الدولة الوطنية أو القومية، يلاحظ المؤلف أنها ليست بالضرورة دولة لقوم أو عرق واحد، بل إن جميع دول العالم تضم مزيجاً من الأعراق والإثنيات والثقافات والديانات، وقد مثل التنوع العرقي ذاته أحد العوامل الرئيسية في الاخلال بتماسك دول ما بعد الاستقلال على وجه الخصوص. والمفارقة الرئيسية في هذا الصدد، هي أن انتماءات ما قبل الدولة الوطنية تحولت إلى عامل تفجير لهذه الدولة في ظل العولمة، حيث أدت التطورات الثورية في مجالي الاتصال والنقل، والضغوط البيئية والصحية والديمغرافية، إلى إضعاف القدرات التقليدية للدول وسلطاتها، الى جانب الدور الذي يلعبه الفاعلون غير الحكوميين؛ مثل الشركات متعددة الجنسيات، والمنظمات غير الحكومية، والحركات الدينية، ومافيا المخدرات، وباقي الظواهر التي تحدث خارج مراقبة الدولة.
وفي موضوع السيادة الإقليمية، يوضح المؤلف أنه بعد أن كانت الدولة الوطنية تتحكم في إقليمها باعتباره "الأساس الحقيقي للسيادة"، انسجاماً مع التصور "الويستفالي" للدولة، فإن التطورات التكنولوجية الحديثة جعلت البعض يعلن "نهاية الجغرافيا" باعتبار أن السيادة الإقليمية صارت من الماضي، وأن التفاعلات عبر الوطنية أصبحت تخترق القشرة الصلبة للدولة.
لكن المؤلف لا يبدي حماساً للقول بأن الإقليم، بمسافاته وأمكنته وحدوده، بات شيئاً مهجوراً، فمازالت للحدود والمسافة أهمية كبيرة، سواء فيما يتصل بالهوية والانتماء، أو فيما يتعلق بالتجارة. فهل إذن باتت السيادة تعيد بناء نفسها أم أنها في الواقع تتآكل عملياً؟
يجيب المؤلف بالقول إنه رغم كون السيادة أحد أهم مبادئ القانون الدولي المعاصر، فإن السيادة المطلقة لم توجد في الواقع قط. فقد كانت السيادة في الماضي مقيدة بحقائق القوة، أما اليوم، في ظل العولمة، فهي تواجه ثلاثة تحديات لنظام ويستفاليا؛ أولها اتساع الاعتماد المتبادل بما يتضمنه من نمو للتفاعلات عبر الوطنية، وثانيها التوتر المتنامي بين سيادة الدولة والعناصر الأخرى التي تضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها، أما التحدي الثالث فيتعلق بحق "التدخل لأسباب انسانية" والذي برز في تسعينيات القرن الماضي.
وفي تشخيصه لواقع الدولة الوطنية أمام شبح العولمة، يعارض المؤلف اعتقاداً سائداً يرى أن التمركز المؤسساتي للدولة يتناقض مع العولمة، مشيراً إلى خلفيته الأيديولوجية في "النظام العالمي الجديد". بل تبين تجربة بلدان شرق آسيا إمكانية وجود ترابط إيجابي بين "تمركز عال للدولة" وبين النجاح الاقتصادي المعولم، ذلك أن تبعية الدولة للتجارة لا تعني كسوف الدولة، بل إن اتساع التجارة العالمية يرافقه دائماً دور كبير للدولة. وبذلك يشير المؤلف إلى "التفاعلات عبر الوطنية" الجديدة التي تمثل في نظر كثير من مفكري العولمة نظام "اعتماد متبادل معقد". وتعد مسألة حقوق الانسان، واحدة من المسائل التي أعادت تكييف المفهوم التقليدي للسيادة كي يستجيب للتطورات العالمية التي أفرزت مفهوم التدخل الدولي.
كما يتطرق الكتاب للهجرة العالمية كتحد لمفهوم المواطنة الذي أصبح هو أيضاً موضع شك وتساؤل، على ضوء ما تعانيه الدولة الوطنية ذاتها من أزمة واضطراب كبيرين، بل أصبح مفهوم "المواطنة ما بعد الوطنية" يستمد مصادره من مفهوم "الشخصية العالمية" ومن التشكيك في مفهوم "الانتماء الوطني" والاعتراف بالتعددية الثقافية ومأسستها.
وإذا كانت التحولات المصاحبة لعملية العولمة، أدت إلى إضعاف الدولة في ميادين كانت حكراً عليها في الماضي، فإن المؤلف يقر بأن "أزمة الدولة الوطنية" هي في الواقع أزمة دول معينة وليست أزمة نموذج الدولة الوطنية ذاته. وانطلاقاً من هذه الحقيقة برز حديثاً مفهوم الدول المتعثرة أو الفاشلة، كتوصيف لدول محددة تتسم بانتشار التوتر والعنف، والحروب الأهلية، والتناقضات الاجتماعية، والعجز الاقتصادي، وتعثر الخيار الديمقراطي... حيث يكون ذلك الفشل في بعض الأحيان، ذريعة لتدخل "غير مشروع" من جانب الدول الكبرى في شؤون الدول المنهارة، وذلك بهدف التحكم في مواقع جيواستراتيجية مهمة، أو محاصرة دول أخرى، أو الاستحواذ على ثروات البلد المستهدف... وهذا ملمح رئيسي لـ"النظام العالمي الجديد"!
محمد ولد المنى
ـــــــــــــــــ
الكتاب: الدولة في عالم متغير
المؤلف: سعيد الصديقي
الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
تاريخ النشر: 2008