وسط الحقول الخضراء الهادئة في ريف شرق أوكرانيا، تحوّلت مزرعة بسيطة إلى مركز لتطوير واختبار الروبوتات العسكرية بأشكال وأحجام متنوعة. ففي الوقت الذي تبدو فيه من الخارج كأنها جزء من مشهد زراعي تقليدي، تشهد من الداخل نشاطاً مكثّفاً لتجهيز مركبات غير مأهولة وتقنيات قتالية متقدمة، في تجسيد واضح للثورة الروبوتية التي أفرزتها الحرب الروسية الأوكرانية.
وشكّلت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، والتي دخلت عامها الخامس، ساحة لتوسُّع هائل في دور الطائرات المسيّرة في الحروب، ولتسريع التطورات التكنولوجية في تكييف الطائرات المسيّرة، أو ما يُعرف أيضاً بالمركبات الجوية غير المأهولة، للاستخدامات الميدانية.
والآن، تتكرّر عملية مماثلة تشمل الروبوتات أو «الطائرات المسيّرة البرية»، كما يُفضل الأوكرانيون تسميتها، حيث يجري تطوير المركبات البرية غير المأهولة ونشرها على خطوط المواجهة لتنفيذ مهام كانت تُسند لجنود المشاة تقليدياً.
ومن الاستطلاع وتوصيل الإمدادات إلى إطلاق نيران الأسلحة الخفيفة، وإجلاء الجرحى، وزرع الألغام وإزالتها، تنفّذ الروبوتات تلك المهام، أو ستتولى تنفيذها قريباً.
وخلال حديثه إلى مُصنّعي الأسلحة في يوم صانعي الأسلحة الأوكراني في أبريل الماضي، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن بلاده استولت للمرة الأولى على موقع روسي لم يُفصح عنه «باستخدام منصات غير مأهولة حصراً»، تشمل الطائرات المسيّرة والروبوتات. وأضاف: «المستقبل هنا، في ساحة المعركة، وأوكرانيا تصنعه».
يقول فيتالي، مدير مدرسة عمليات الروبوتات الريفية التابعة للفيلق العاشر للجيش، إن الروبوتات الأرضية تسير اليوم في المسار نفسه الذي سلكته الطائرات المسيّرة، إذ تحوّلت من تقنيات محدودة الاستخدام إلى أدوات عسكرية تحظى باهتمام متزايد.
ويؤكد أن أوكرانيا تطوِّر هذه الأنظمة لتعويض التفوّق الروسي عليها، إذ تمتلك روسيا أحد أضخم الجيوش النظامية في العالم، لكن كييف تسعى لتحقيق تكافؤ الفرص من خلال إسناد أكبر عدد ممكن من المهام الخطرة إلى الروبوتات.
ورغم أن المشاة سيظلون عنصراً أساسياً في القتال، فإن الهدف هو دعم الجنود وحمايتهم وتقليل المخاطر التي يتعرضون لها في ساحة المعركة.
وفي الواقع، يُعد إنقاذ الأرواح وجعل الحياة اليومية للجنود على الخطوط الأمامية أكثر أماناً وأقل إرهاقاً هدفاً رئيسياً لمبادرة «بريف 1»، وهي مبادرة حكومية أوكرانية في زمن الحرب، تهدف إلى تسريع تطوير صناعة تكنولوجيا دفاعية عالية المستوى من خلال دعم الشركات الناشئة والابتكارات المتخصصة في المجال الدفاعي.
ويقول إيهور شميروف، رئيس قسم المركبات الأرضية غير المأهولة في مبادرة «بريف 1»، إن المبادرة تساعد حكومة أوكرانيا في العثور على الشركات الناشئة الصغيرة التي توفر احتياجات الجنود في الخطوط الأمامية، ثم تقدم إليها العقود لتوفير المنتجات التي تُحسّن حياة الجنود، بهدف تسريع وصول الابتكار إلى الخطوط الأمامية، بينما يبقى الهدف الأسمى هو إنقاذ الأرواح، مضيفاً أن استخدام الروبوتات في الحرب يُظهر للعالم مدى اهتمام كييف بأفراد شعبها.
وعند تأسيسها عام 2023، ركّزت مباردة «بريف 1» على ابتكار وإنتاج الطائرات المسيّرة الجوية، ولكن بحلول العام الجاري، قفز تطوير المركبات الأرضية غير المأهولة إلى ما يقارب 40% من المنح التي قدمتها المبادرة.
ويتركز نحو 90% من مهام الروبوتات في الحرب في مجال الإمداد والتموين حالياً، رغم أن استخدام المركبات الأرضية غير المأهولة في مهام الاستطلاع التي قد تُعيق عمل الطائرات المسيّرة، مثل المناطق ذات الغطاء الشجري الكثيف، يشهد تزايداً سريعاً.
وتتغلغل هذه الفلسفة نفسها في عمل شركة «راتيل روبوتيكس» في كييف، حيث يقول تاراس أوستابتشوك، الرئيس التنفيذي للشركة، إنها تُنتج خمسة أنواع من المركبات الأرضية غير المأهولة المُسيرة، والتي يُمكن تهيئتها لتنفيذ جميع أنواع المهام. لكن لا شيء أهم من إنقاذ الأرواح. وأوضح أوستابتشوك، في ورشة صيانة تابعة للشركة، أن كل روبوت متضرّر داخل الورشة كان قادراً على القيام بالعمل اللوجستي لجنديين، وهو ما يعني أنه عندما تعرّضت هذه الروبوتات لإطلاق النار، أنقذت الكثير من الأرواح، مشيراً إلى أنه يمكن إصلاحها وإعادتها فوراً إلى الخطوط الأمامية.وتأسّست شركة «راتيل» في أواخر عام 2023، وكان تركيزها في البداية مُنصبّاً على الطائرات المُسيرة. وتضم الشركة حالياً 400 موظف، 25 منهم من المحاربين القدامى، وتنتج نحو 4000 مركبة أرضية غير مأهولة سنوياً.
وتُنتج الشركة نماذج قادرة على إسقاط القنابل في خنادق العدو، وزرع الألغام أو إزالتها من الحقول، وتوصيل الإمدادات، وإجلاء الجرحى. وبعضها يُشغّل لاسلكياً، والبعض الآخر عبر خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك». وبعضها مزوّد بتقنية الرؤية الليلية بالأشعة تحت الحمراء. وتُخطّط شركة راتيل للتوسع العام المقبل لتشمل إنتاج روبوتات مُثبتة على أبراج لإطلاق الرشاشات.
وفي مدرسة الروبوتات التابعة للفيلق العاشر، يستعدُّ فيتالي وفريقه لاستقبال الدفعة القادمة المكونة من 15 طالباً، معظمهم جنود قادمون من الخطوط الأمامية. سيقضون يومهم في تعلُّم تقنيات الروبوتات واستخداماتها، وكيفية تشغيلها عبر شاشة الحاسوب أو باستخدام وحدة تحكُّم يدوية في الميدان، قبل العودة إلى وحداتهم كل ليلة.
*صحفي متخصص في الشؤون الدولية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»


