مواجهة التوطين الصوري
في الوقت الذي تعطي فيه الدولة أهمية كبيرة لعملية توطين الوظائف، وتضع الضوابط الخاصة بها، على اعتبار أنها ليست قضية اقتصادية فقط، وإنما قضية أمن قومي أيضاً، فإن هناك من يعمل على تجريد هذه القضية من جوهرها، وإفراغها من مضمونها الحقيقي، وبالتالي حرفها عن تحقيق الأهداف المرجوّة منها، من خلال ما يطلق عليه اسم "التوطين الصوري"، أو "التوطين على الورق"، الذي لا يحدث تغييراً حقيقياً في وضع العمالة المواطنة في سوق العمل. هناك حصص وظيفية للمواطنين في القطاعات المختلفة سنوياً وضعها مجلس الوزراء، وهي 4% في قطاع البنوك، و5% في قطاع التأمين، و2% بالنسبة إلى الشركات التي يزيد عدد موظفيها على 50 شخصاً. وعلى الرغم من أن هذه الحصص ليست كبيرة، خاصة بالنظر إلى الأعداد الضخمة والمتزايدة من المواطنين الذين يدخلون سوق العمل سنوياً، فإن بعض المؤسسات تحاول التحايل عليها، وخداع أجهزة التفتيش التي تقوم بالتأكّد من التزامها حصص التوطين المقرّرة بالنسبة إليها، عبر أساليب مختلفة مثل تعيين بعض المواطنين، ولكن دون دوام منتظم، أو عدم الالتزام بدوام أصلاً، أو تعيين مواطنين دون أن يقوموا بوظائف فعليّة داخل المؤسسة، أو توظيفهم فترة مؤقتة، وغيرها من الأساليب التي تحقّق الهدف نفسه، وهو استيفاء المؤسسة، ورقياً وصورياً، شرط توظيف نسبة معينة من المواطنين فيها سنوياً.
هذا التوطين الصوري ينطوي على خطر كبير، لأنه يقدم أرقاماً مضللة حول نسب التوطين في الدولة، في الوقت الذي يتمّ فيه الاعتماد على هذه الأرقام في رسم السياسات واتخاذ القرارات المهمة في شأن هذه القضية، كما أنّه يشوّه الهدف من التوطين، ويحوّله من سعي إلى شراكة حقيقية لمواطني الدولة في تسيير النشاط الاقتصادي في الدولة، وتخطيطه، وإدارته، إلى مجرد أرقام وكشوف يتم تقديمها إلى مفتشي وزارة العمل، لذلك فإنه لابد من التصدي الفعّال لهذا النوع من التوطين، خاصة أن كلاً من وزارة العمل، وهيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية، قد أعلنت اكتشاف حالات توطين صوري بالفعل خلال الفترة الماضية، وفي هذا الإطار تأتي أهمية الحديث عن تطبيق وزارة العمل إجراءات "إدارية صارمة" في حق الشركات التي تمّ، أو يتمّ اكتشاف حالات توطين صوري فيها، بدءاً من بداية العام المقبل 2009، من خلال نقلها إلى فئات أدنى من الفئات التي تندرج فيها ضمن تصنيفات المنشآت التي تتبعها الوزارة، وبالتالي زيادة قيمة رسوم استقدامها العمالة وقيمة الغرامات المالية. إن الحزم في مواجهة المنشآت أو الشركات التي لا تلتزم حصص التوطين الحقيقيّة، وتحاول الخداع والغش من خلال توطين صوري، من شأنه أن يوجّه رسالة مهمة إلى المؤسسات الأخرى بأن الدولة لا تتهاون في مسألة التوطين، وأنها عازمة على كشف أي مخالفات أو محاولات للتحايل. وإذا كان على الجهات المعنيّة، وفي مقدمتها وزارة العمل، دور كبير في هذا الخصوص، فإن المواطنين الذين يتم استخدامهم في عمليات التوطين الصوري عليهم مسؤولية كبيرة في رفض هذا الوضع، وإبلاغ الجهات المختصّة حتى يمكنها أن تتخذ الإجراءات الرادعة.
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية