ابن حزم... وعقلانية المنهج الظاهري
أسقط ابن حزم الأندلسي كثيراً مما يعتبر أدلة شرعية؛ كالقياس والرأي والاستحسان... لكنه أيضاً هاجم التقليد، دون أن تكون المسألة عنده مناصرة منقول على معقول أو معقول على منقول، بل كانت مسألة نقدية شاملة تبتغي إحقاق الحق وإبطال الباطل. وقد صدر ابن حزم في ذلك عن رؤية أسسية ومنهجية فارقة، طبقها بدقة، وتبدو واضحة لمن يرصدها، وهذا ما أنجزه كتاب "ظاهرية ابن حزم الأندلسي: نظرية المعرفة ومناهج البحث"، لمؤلفه الدكتور أنور الزغبي، الكاتب والمفكر الأردني الذي فارق عالمنا يوم الثلاثاء الفائت، تاركاً وراءه عدداً من المؤلفات والبحوث الرصينة في مجالات الفكر والفن والأدب. وكان قد شغل خلال حياته مناصب رفيعة في وزارتي الثقافة والمالية الأردنيتين، وترأس "جمعية الفلسفة الأردنية" و"اللجنة العربية للثقافة والتنمية".
وفي كتابه المشار إليه آنفاً، والذي نعرضه هنا، يشرح الزعبي منهجية ابن حزم مبيناً أصولها وأسسها، فيعتبر أنها القاعدة البنائية الناظمة لتوجهاته المعرفية عامة. وسواء أكان ابن حزم فيلسوفاً بارزاً، أم متكلماً بارعاً، أم فقيهاً فذاً، أم مؤرخاً فطناً... إلى غير ذلك من أوصاف تليق به ويليق بها، فهو بلا شك أدنى أحد رواد نظرتي المعرفة والمنهج. لكن ما هي سمات المنهج البحثي لظاهرية ابن حزم؟ وكيف تتحدد نظريته في المعرفة؟
يبرز المؤلف أهم المنعطفات الأساسية في سيرة ابن حزم، قائلاً إنها لم تكن مستقلة عن توجهاته الفكرية، سواء في مرحلة النشأة وطلب العلم، أم في مرحلة الاشتغال بالسياسة، أم في مرحلة الانقطاع للعلم ونشره. فتلك المنعطفات في حياة ابن حزم لم تكن منفصلة عن نفسيته المتعطشة إلى اليقين أو الحقيقة التي كان ينشدها خالصة، وأقام لأجلها محاكمات نقدية خلاقة، وقدم خريطة وافية من المعارف اليقينية المتماسكة، وشاد نسقه الظاهري قطعة قطعة، بوسائل وأدوات باتت هي مقومات منهجه الفكري.
وهنا يؤكد المؤلف على عنصرين في الشخصية الفكرية لابن حزم، أولهما كونه فيلسوفاً بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، إذ خرج عن اعتقاد الشخص العادي ليفحص أساس اعتقاده وتصديقه. بينما يتمثل العنصر الثاني في إدراك ابن حزم لمأزق الثقافة الإنسانية في عصره، وهو مأزق مرده قصور الآليات التي يمكن من خلالها فرز ما هو حق مما هو باطل، وعجزها عن تطوير المعرفة وتخليص العقل من شوائبه؛ فكان انشغاله الرئيسي إذن هو تطهير العقل وتنقية معارفه من خلال تفحص الأدوات التي يحصل بها ذلك.
ويهتم المؤلف ببيان أصول ظاهرية ابن حزم، ومدى اتفاقها واختلافها مع أصول غيره من المفكرين، لاسيما آرسطو الذي اتُّهم بن حزم بمخالفته دون أن يفهم غرضه، وهنا يبين الدكتور الزعبي وعي ابن حزم بموقفه حين يتوجه وجهة جديدة في النظر الفلسفي؛ بتقنين دور العقل، ورفض فكرة الجوهر، والقول بالنظرة الاسمية... وتلك بعض محددات القاعدة التحليلية لنسقه الظاهري. وكما يقول المؤلف، فإن ابن حزم أقام ذلك النسق مبتدئاً بإقرار مقدمات أولية ضرورية (قبلية) لا يتطرق إليها الشك، عبر خطوات قوامها التأمل العميق في مجرى الخبرة وتحليلها، وصولا إلى الإقرار بالأوليات الحسية والعقلية. من هنا عنيت الظاهرية بالأوليات، وبالنظر إليها نظرة وضعية، مما أسبغ على فكر صاحبها "سمْته الظاهري".
ولا تكتمل الصورة إلا ببيان تجريبية ابن حزم المؤسسة على الإقرار بالأوليات، وهو ما يفعله المؤلف معتبراً إياها جزءاً من الظاهرية من حيث هي تعتمد على المشهدات والتجارب في إنتاج مقدمات حقة ومتسقة مع الأوليات. وهنا يتضح بجلاء إدراك ابن حزم لمشكلات الاستقراء والعلية... وفهمه العميق بإشكالاتها.
ثم يتطرق المؤلف إلى فهم ابن حزم للخبر والتاريخ، وخطوات منهجه النقدي لتخليص التاريخ مما علق به من أوهام، واعتماده منطق الجهات، والمقارنة، والإحصاء، والتواتر، في قبول الأخبار أو رفضها. لكن فيما يتعلق بالمنقول الشرعي، نلاحظ أن ابن حزم يعول على التواتر، وعلى المعجزة باعتبارها دليلا صدق على صحة مضمون الشريعة.
وكما يبين الكتاب، فإن ابن حزم يستخدم أداة أخرى في منهجه المعرفي، ألا وهي التحليل اللغوي المنطقي، مستفيداً مما أنجزه في فهم اللغة وضبط معاني ألفاظها وأساليبيها. فهو يؤسس تحليله اللغوي على "المسميات" ذاتها، لا على الأسماء أو التسميات التي هي مجرد ألفاظ تخضع للتحريف والتغيير. وهنا يضع ابن حزم قاعدة مهمة حين يقرر أن فهم المعاني متوقف على الرجوع إلى المسميات لا الأسماء أو التسميات... ما يجعله واحداً من رواد التحليل اللغوي.
وإبرازاً لتجليات المنهج الأصولي في الظاهرية، يبين المؤلف كيف أن ابن حزم استخدم منهجيته العقلانية الظاهرية بكل أبعادها، المنطقية واللغوية والتاريخية، في عقلنة الشريعة؛ وحصرها في القرآن والسنة الصحيحة وإجماع الصحابة، آخذاً بالدليل ورافضاً كل الأصول الفقهية الأخرى من رأي، وقياس، واستحسان، وتقليد، وتأويل غير منضبط... ليقسم الشريعة ثلاثة أقسام: قسم يطابق المعقول مباشر ولا يعارضه، وقسم يطابق المعقول بعد تأويله بالدليل المنضبط، وقسم يبقى على الوقف لأنه من علم الغيب.
وإن لم يلق الاتجاه الظاهري كبير اهتمام في التراث الإسلامي، فإن ابن حزم يبقى واحداً من أعظم مؤلفي الإسلام وأغزرهم إنتاجاً وأعمقهم فكراً. وكما يلاحظ الدكتور الزغبي، فإن صاحب المنهج الظاهري قام، وهو يعالج موضوعاته الفلسفية والدينية واللغوية، بإرساء توجه معرفي ميزته الأصالة والعمق والتماسك والتجدد، فجاء مختلفاً عما سبقه أو كان سائداً في عصره، جامعاً بين العقل والنقل، بين الحكمة والشريعة، دون شغف زائد بالتأويل والتوفيق.
محمد ولد المنى
----------
الكتاب: ظاهرية ابن حزم الأندلسي
المؤلف: أنور الزعبي
الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي
تاريخ النشر: 2009