يقول المثل العربي إذا ابتُليتم فاستتروا. لكن كيف التسّتر على علم دولة، وأيةّ دولة، دولة العراق المحتل، التي تُغتصب يومياً على مسمع ومرأى من سكان العالم كله؟ وهل يمكن التسّتر على مصمم العلم المهندس المعماري رفعت الجادرجي، وقد سبق له التعرض، لرمزين عزيزين على قلوب العراقيين، أبوه كامل الجادرجي، زعيم المعارضة الوطنية في العهد الملكي، والبامية أحب أكلة لدى العراقيين؟ هل تفسر عقدة أوديب المعروفة حول كراهية الأب وتمني قتله موقف الجادرجي من أبيه، الذي كان مولعاً بالبامية؟ كتاب الجادرجي عن أبيه "صورة أب" أثار استياء أقرب أفراد أسرته، وهدّدوا بإقامة دعوى ضده والتبرؤ منه في المحاكم. وكتابه "حوار في بنيوية الفن والعمارة" عرض وصفات طبخ مهينة للبامية، التي يقول عنها العراقيون "على اللسان بلابل، وبالمعدة قنابل". وقد لا يغفر العراقيون للجادرجي المسّ بالبامية حتى إذا غفروا له الإساءة لأبيه، أو تصميمه لعلم الاحتلال، ولن يغتفروا. أكدت ذلك مشاهد حرق العراقيين للعلم التي نقلتها الصحافة وقنوات التلفزيون من بغداد والفلوجة والموصل وغيرها من مدن العراق، الذي كرس أبوه حياته لتحريره من طغيان الاستعمار.
ولن يغتفر خبراء الأعلام للجادرجي عَلمه، الذي انتقدوه شكلاً ومضموناً، وأجمعوا على اعتباره قبيحاً. وذكر ديفيد ماتروشي، رئيس اتحاد خبراء الأعلام في أميركا الشمالية أن خبراء الأعلام، ويُطلق عليهم اسم vexillologists مجمعون على أن هذا علم سيئ، ويبغضون اللاتساوق الأخرق، حسب تعبيره لثلاثة قضبان عريضة في العلم، اثنان زرقاوا اللون، يُفترض أنهما يرمزان لنهري دجلة والفرات، والثالث أصفر يرمز للأكراد. ونفى الخبراء أن تكون هناك علاقة للأكراد باللون الأصفر، وسخروا من الخلفية البيضاء في العلم، الذي يبدو في رأيهم كصليب مطروح على ملاءة سرير، وأكدوا الشبه الصارخ لعلم الجادردجي بالعلم الإسرائيلي، حيث نجمة داود السداسية تتوسط خطين أزرقين متوازيين يرمزان إلى النيل والفرات، اللذين يعتبرهما الصهاينة حدود إسرائيل الكبرى.
وانتقد فنانو التصميم والمؤرخون العرب والأجانب تجاهل علم الجادرجي لتقاليد البلاد، وتخلّيه عن ثوابت الألوان الأساسية الأربعة للأعلام العراقية والعربية، وهي الأخضر والأسود والأبيض والأحمر، وترمز إلى ألوان رايات الرسول صلى الله عليه وسلم والأمويين والعباسيين والعلويين. والمفارقة أن يذكر الخبير الأميركي ماتروشي لصحيفة "ميل أند غلوب" الكندية بيت الشعر العربي المشهور عن ألوان العلم:
بيضٌ صنائعنا، سُودٌ وقائعنا، خُضرٌ مرابعنا، حُمرٌ مواضينا.
وأثار علم الجادرجي غضب فنانين عراقيين معروفين على الصعيد العالمي. ضياء العزاوي، الذي صممّ غلاف كتاب الجادرجي "الأخيضر والقصر البلوري" ذكر أنه صُدم جداً عندما شاهد التصميم. وأعرب عن استغرابه لتجاهل الجادرجي أول علم للجمهورية العراقية صمّمه صديقه الفنان الراحل جواد سليم عام 1958، واحتوى على المفردات الحضارية الأساسية في تاريخ العراق. لكن العزاوي استبعد تقليد الجادرجي للعلم الإسرائيلي، ورجّح أنه عهد بفكرة التصميم إلى فنان أجنبي ربما اجتهد في تنفيذه بهذا الشكل. والمعروف أن الجادرجي وقع قبل سنتين ضحية عملية احتيال دولية دبّرها يهود عراقيون كانوا زملاءه في مدرسة شماش اليهودية في بغداد. ولم تتم تسوية الموضوع واسترجاع الجادرجي المبلغ المسروق منه، ويقدّر بعشرة ملايين دولار إلاّ عشية اندلاع الحرب على العراق.
وتزخر مواقع الإنترنت، بما في ذلك موقع "بي بي سي" الإنجليزي بتعليقات تهكمية حول علم الجادرجي، من أظرفها تساؤل أسيل عبد الرزاق، وهي محامية عراقية شابة في لندن: هل هو علم حلال؟ وأضافت أن اللون الأصفر في العلم فكرة جيدة حيث يمكن إزالته بسهولة بحبر التبييض "تيبيكس" إذا قرّر الأكراد الانفصال عن العراق. وتساءل المهندس العراقي الدكتور مهدي حيدر عمّا إذا كانت الكهرباء مقطوعة عندما صمم الجادرجي العلم بهذه الألوان الباهتة، واختتم تعليقه الساخر باللهجة العراقية: شخبطوا على كيفكم بالظلمة، ننتظركم بآخر النفق!
ويصعب تصور كيف سيخرج من النفق الجادرجي وغيره من الديمقراطيين واليساريين المتعاونين مع الاحتلال. فالعلم لم يحظ حتى بموافقة أعضاء ما يسمى مجلس الحكم. وفي تصريح صحفي ذكرت عضو المجلس عن التركمان صون كول جابوك أن أحداً في المجلس لم ينتبه للتشابه مع العلم الإسرائيلي، وأضافت أنها كانت عضوة في لجنة لاختيار النشيد الوطني والعلم، وتقدمت بنماذج لم يؤخذ بأي منها، بل لم تتم مناقشتها وأهملت. وقالت إنهم عادوا وتذكروا العلم من جديد وشكلوا لجنة أخرى مستعجلة لتدبير علم يرفعه رياضيون عراقيون في أولمبياد أثينا.
وذكرت صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية أن عضو مجلس الحكم نصير الجادرجي، وهو شقيق أصغر للجادرجي بدا منفعلا لدى إجابته عن سؤال يتعلق بمفردات العلم، وقال إنه لن يجيب على أي سؤال يصّب في باب التحقيق، وبرّر الاستعجال باعتماد العلم من دون


