طالما أشعل البحث عن العدل الاجتماعي الاقتصادي والسياسي، خيال الساسة منذ عصور بعيدة، أدناها الثورتان الفرنسية والأميركية في القرن الثامن عشر. وبعد مُضي ما يقارب ربع الألفية على تلك الأحداث الكبرى، ظلت مُثُل العدالة كالوافد الغريب على المجتمعات، بل كثيراً ما أثارت الاستهزاء والسخرية منها، سواء بحكم قوة التقاليد الراسخة، أم بحكم تأقلم كثير من المجتمعات مع حقائق الظلم السائدة عبر القرون، إضافة إلى سطوة السلطة الباطشة المهيمنة على حياة المجتمعات وأنماط معيشتها. غير أنه من العوامل التي ساهمت في تغييب قيم العدالة -على صعيد البحث الفكري الفلسفي- كونها ظلت دائماً من الأمور التقديرية الاختيارية، رغم قوة ألقها السياسي، في رأي البعض. ويذهب هؤلاء إلى القول إن العدالة وبحكم افتقارها إلى أي أساس موضوعي، فقد تركت دائماً للمفكرين كي ينشغلوا بها كجانب من اهتماماتهم. ثم يخلص القول إلى أن فكرة السوق الحديث نفسها، لم تنشأ إلا ضمن محاولة لعلاج معضلة عدالة التوزيع نفسها. فهل يستقر رأي جميع المفكرين والفلاسفة على هذا المذهب؟ في الإجابة عن السؤال، يجدر القول إن "جون راولز"، أستاذ الفلسفة بجامعة هارفارد، قد أمضى ما يزيد على 50 عاماً من حياته في نشر سلسلة المقالات التي تم الاحتفاء بها لاحقاً، باعتبارها أهم عمل فلسفي سياسي أنتجه القرن العشرون. وخلال المدة نفسها، كان منشغلاً بالبحث في فكرة العدالة داخل قاعات الدرس والمنتديات الأكاديمية. لكن ما قيمتها على الصعيد العملي، وكيف يمكن لهذه القيم أن تنعكس على حياة المظلومين بصفة خاصة؟ هذا هو السؤال الذي أثاره "أمارتيا سن"، مؤلف هذا الكتاب في وجه زميله "راولز". والواقع أن هذا السؤال، جوهر النقد الذي اضطلع به المؤلف لنظرية العدل الاجتماعي في الفكر الفلسفي السياسي المعاصر، خلال ما يزيد على خمسين عاماً. يقوم هذا النقد على فكرة أن العدل الاجتماعي ليس مسألة نظرية مجردة، إنما القصد منه أن ينعكس بشكل ملموس في تطبيقاته وتمثلاته على حياة المجتمعات ومستويات معيشتها، ومدى تمتعها بالحرية اللازمة لحياتها. وضمن دراسته للتاريخ الفلسفي لفكرة العدالة، يضع المؤلف زميله "راولز" ضمن مجموعة تمثل تيارين رئيسيين من تيارات الفكر الغربي المعاصر. فمن "هوبز" إلى "روسو" ثم "كانط"، اتخذ الفلاسفة من نماذج "العقد الاجتماعي" وسيلة لتوافر الاتفاق والإجماع على توزيع الحريات والالتزامات والسلع على أفراد المجتمعات على نحو عادل ومقبول. غير أن المؤلف يصف هذه النمذجة بـ"الاعتباطية المؤسسية" لكونها تقوم على نموذج اجتماعي واحد، يعتمد بدوره على مبادئ تجريدية عامة. وهذا خطأ منهجي في البحث الفلسفي عن مفهوم العدالة، حسب المؤلف. ومرد ذلك إلى عدة أسباب، منها استحالة أو صعوبة الاتفاق على تعريف "المجتمع العادل". ويعني هذا بالضرورة تعدد وجوه ومعاني فكرة العدل نفسها، بدلاً من النظر إليها كما لو كانت تعني شيئاً واحداً بالنسبة لكل الناس وفي جميع الظروف والأحوال. وفي سياق رفضه لمفهوم "راولز" عن العدالة، قال الكاتب إن جميع الفلاسفة السابقين: آدم سميث، كوندورست، بنتام، ماري ولزستونكرافت، ماركس، وستيورات ميل، تأملوا مفهوم العدالة في نسبيته وليس في إطلاقه. وبدلاً من التساؤل عن ماهية "المجتمع العادل" ومن ثم الانهماك في محاولة تعريفه، بنى كل منهم مفهومه عن العدالة على أساس نسبي، اعتماداً على تجليات ظلم معينة شاهدها في العصر والمجتمع الذي عاش فيه. بل إن تصوراتنا عن الظلم، عادة ما تلونها قيمنا ومصالحنا وتقاليدنا التي نشأنا عليها. لكن رغم ذلك، يمكن التغلب على جميع هذه العوامل الكابحة، باتجاه ما يشبه الاتفاق الجماعي على أشكال ظلم بعينها، وذلك عن طريق استخدام قدراتنا الذهنية الناقدة للواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي نعيش فيه. وهنا يستلهم المؤلف مفهوم آدم سميث عن "المتفرج المحايد" الذي يعتمد على عينه التي تقارن بين الشيء ونقيضه أو مثيله. وفي الفكرة نوع من "التغريب"، بمعنى أن يخرج المرء عن نطاق قيمه وتقاليده وعصبياته الموروثة إلى حين، كي يتمكن من إلقاء نظرة محايدة بعيداً عنها. وتتضمن هذه النظرة إلى الواقع، تقدماً ولو لخطوة واحدة باتجاه تغيير ما هو غير ملائم من عناصر ذلك الواقع. وفي الشق الأكثر عملية وارتباطاً بهموم التغيير الاجتماعي نحو العدالة من كتابه، يثير المؤلف سؤالاً أساسياً عما يجب على العدالة أن تعمل على تغييره تحديداً؟ ويستتبع هذا تساؤل آخر حول مدى إمكانية التوصل إلى معيار لقياس مدى قرب أو بعد مجتمع ما من المجتمعات، من تحقيق العدالة التي ينشدها ويعمل من أجلها؟ عن هذا السؤال، يقدم المؤلف إجابة محددة في محاولة منه لتوفير معيار موضوعي ما، شمل: الحرية، توافر السلع الأساسية، الموارد، إضافة إلى سعادة ورفاه المجتمعات. عبد الجبار عبد الله -------- الكتاب: فكرة العدالة المؤلف: أمارتيا سن الناشر: مطبعة جامعة هارفارد تاريخ النشر: 2009.