Bjad33@gmail.com لم تزل مراجعات وتراجعات جماعات العنف الديني تلقى الترحيب الدائم الذي ينبغي أن تقابل به، والترحيب بمراجعات جماعات العنف والإرهاب والإسلام السياسي على نوعين: الترحيب الذي يراد به الفرح بأوبتهم من الانحراف إلى الاعتدال، والترحيب الآخر الذي يراد به حصد مكاسب دينية على حساب المراجعين، الأول: يصدر عن المجتمع والدول والأفراد تعبيراً عن الفرح، والثاني: يصدر عن جماعات ورموز الإسلام السياسي، ويراد به تحصيل مزيد زعامة دينية ربما كانت ذات أهداف سياسية. في هذا الإطار يمكننا قراءة الكثير من أنواع الترحيب بالمراجعات التي صدرت وتلك التي لم تصدر بعد، ومما صدر مراجعات الجماعة الإسلامية في مصر، ومراجعات الجماعة الليبية المقاتلة، ومراجعات بعض الجماعات المسلحة في الجزائر، ومراجعات الدكتور فضل الذي يعدّ منظّر جماعة "الجهاد" المصرية الأوّل والأب الروحي لكثير من جماعات الإرهاب المعاصرة، ومما لم يصدر بعد مراجعات عصام البرقاوي المعروف بكنيته "أبو محمد المقدسي"، والمتوّقع أن تصدر بصيغة يختارها المقدسي. لقد كان من الطبيعي أن يتمّ الترحيب بهذه المراجعات من قبل جهات متباينة من أميركا التي تخوض حرباً مع الإرهاب المعولم، إلى الحكومات والدول والمجتمعات العربية والإسلامية الأكثر تضررا من جرائم الإرهاب، وصولاً إلى بعض من يسمّون بالدعاة المعتدلين، أو حتى جماعة "الإخوان المسلمين" وغيرهم، والفرق بين هذه الترحيبات يكمن في المقصد والغاية. ومع مراعاتنا ورصدنا للمراجعات، فإننا يجب أن نرصد بالتوازي مع هذا ما يمكن أن نسمّيه بالتطرفات، أي الإمعان من قبل البعض في مزيد من التطرف بل وربما الانخراط في الإرهاب، فهما أي المراجعات والتطرفات أمران يحدثان في ذات الوقت ونفس الزمان، والعين العوراء، هي التي لا ترى من المشهد إلا جهة واحدةً فحسب. نعني بالتطرفات انتقال بعض رموز وأفراد جماعات "الإسلام السياسي" من خانتهم التي هم فيها إلى خانة أكثر تشدداً، أي من خانة التطرف الفكري، إلى خانة الإرهاب العملي، وهذا ما حدث في أكثر من موضع منها ما جاء في مجموعة الأربعة والأربعين التي أعلن عنها في السعودية قبل فترة ليست بالقصيرة، فقد جاء في الإعلان أنّهم أشخاص على مستوى عال من التعليم، ويحملون شهادات عليا في تخصصاتٍ علميةٍ وشرعيةٍ، ومع هذا وفي خضم المعركة ضدّ الإرهاب وأثناء حدوث المراجعات من رموز جماعات العنف الديني والإرهاب، نجد هؤلاء يتّجهون في اتجاه معاكس، فينتقلون من القناعات المتطرفة إلى النشاط الإرهابي، تنظيراً وتخطيطاً وتنفيذاً. وحتى نعرف المرحّبين بالمراجعات لأجندة تخصهم، فعلينا قراءة تبريرات ترحيب البعض بهذه التراجعات، حيث نجد أنّ السبب يكمن لدى بعضهم في أنّ هذا الطريق قد تمّت تجربته لسنوات طوال، فلم يجد نفعاً، هكذا فقط لأنّه تمّت تجربته ولم يجد نفعاً، وبمعنى آخر أنّه خيار ضمن خيارات متعددة، ولكنّه في هذه المرحلة غير مجدٍ وغير نافعٍ، بينما الواجب هو رفضه من حيث المبدأ لا من حيث الظروف، وهنا يكمن فارق جدير بالانتباه في التفريق بين أنواع المرحّبين بالمراجعات. فارق آخر يورده المرحبون بالمراجعات من الإسلاميين، وهو أنّ الإرهابيين يعتمدون على قراءة للمستقبل تعتمد على بعض النصوص الشرعية التي تتحدث عن آخر الزمان، والتي تضمن النصر "للمجاهدين"، التي يطبقونها على أنفسهم، وينازعهم هؤلاء المرحّبين أنّ هذه النصوص ليست واضحةً في هذه الحالة، وبالتالي فالخلاف بين الإرهابيين والمرحبين هو في قراءة المستقبل، ومعه استحضار الواجب عمله في الحاضر بين موالاة الإرهاب ومعاداته. ثمة سؤال يطرح نفسه في هذا السياق، ألا وهو كيف يقع بعض حملة الشهادات العليا في التطرف؟ وكيف يؤثر عليهم خطاب التطرف حتى يقعوا فريسة له وجنوداً وقادةً في صفوفه؟ لنا في هذا السياق أن نؤكد أن العلم المجرّد المتخصص لا يحمي من الإرهاب بحد ذاته، بل ربما رأى الإرهاب وصنّاعه أنّ أصحابه صيد سهل يمثل مكسباً كبيراً، وحتى تكتمل الصورة فعلينا أن نعيد النظر بشكلٍ أوسع. من هنا نقول إن الجدل لم يزل ساخناً في المجتمعات الغربية حول مسؤولية العلماء المتخصصين عن الجنايات والجرائم الإنسانية، التي اعتمدت على بحوثهم ونظرياتهم، ويسعى ما يعتبره المراقبون أرشد الأقوال إلى أنّهم نابهون في مجالهم ومبدعون في تخصصهم، ولكنّهم لا يملكون القدرة على التحكّم في نتائج تلك النظريات، أي نتائجها السياسية والعسكرية والعملية، فالهمّ الذي يقود العالم المتخصص يكمن في تخصصه وتطوير ذلك التخصص والزيادة فيه، وليس له كبير همٍ فيما يمكن أن يوظّف فيه هذا الاكتشاف أو تلك النظرية. على العكس من هذا، نجد في عالمنا العربي من يسعى بجد واجتهاد لاصطياد النابهين في تخصصاتهم ودعمهم ورعايتهم منذ الصغر بغرض السيطرة عليهم عند الكبر كما تفعل جماعات "الإسلام السياسي" وجماعات العنف الديني على حدٍّ سواء، إنّهم لا يعتقلون هؤلاء العلماء في مجال تخصصهم بل يعتقلونهم أيديولوجياً من خلال إخضاعهم لقناعات دينية خاصة تضمن لتلك القيادات الدينية في تلك الجماعات دوام خضوع هؤلاء الأتباع مهما تقلّبت بهم السنون ومهما تطوّروا في مجالات تخصصهم. كما يقال فإن المثال يوضح الأفكار بشكلٍ جليٍ، ولنأخذ بعض الأسماء المشهورة نموذجاً في هذا السياق، أسامة بن لادن قائد تنظيم "القاعدة" والرجل الأكثر خطراً في العالم اليوم، لم يكن خريج جامعة دينية، بل هو حاصل على شهادة عليا في الاقتصاد، ولكنّ الأثر الأخطر على شخصيته جاء من "الإخواني" البارز عبدالله عزّام، وأيمن الظواهري نائبه في تنظيم "القاعدة" ليس خريج جامعة دينية كذلك بل هو طبيب تتلمذ على فكر "الإخواني" سيّد قطب، وإمارة رفح الإسلامية التي اشتبكت عسكرياً مع حركة "حماس" وقضت عليها الحركة بقوة السلاح كان قائدها طبيباً ولم يكن عالماً شرعياً. أنور العولقي الذي أصبح الحديث عنه اليوم حديثاً جاذباً لوسائل الإعلام بحكم دوره في التأثير على نضال مالك الذي قتل زملاءه في القاعدة الأميركية، وعمر فاروق النيجيري الذي حاول تفجير طائرة أميركية أيضاً، إنّ العولقي يمثل نموذجا دالاً وجديداً في هذا السياق، فهو متخصص في تكنولوجيا العلوم وليس في العلوم الشرعية. إن للأيديولوجيا سلطة تتجاوز التحصيل العلمي فتخضع المتميّزين والمتخصصين لأجندتها الخاصة، وزيادة على الأمثلة السابقة نجد على سبيل المثال أن حزب "التحرير" يعتقل بأيديولوجيته الصارمة كثيراً من المتخصصين في مجالات علمية نادرة كالطب والهندسة والكيمياء والإحياء والرياضيات والفيزياء وغيرها من التخصصات، ويجعل أتباع تلك التخصصات ألعاباً يحركها كيفما يشاء. ختاماً علينا أن نستمر في الترحيب بالتراجعات والمراجعات على الطريقة الصحيحة لا على طريقة بعض المنتفعين، وأن نحذر في الوقت ذاته من التطرفات التي تحصل في المشهد العام ونرصدها لنحسن التعامل معها.