سئل فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، عن بعض المفسرين الذين يحاولون، في غمرة حماسهم الديني، الربط بين "الآيات العلمية" في القرآن الكريم والنظريات العلمية الحديثة، فما مدى صحة أوخطأ هذا الربط؟ "إن محاولة ربط القرآن بالنظريات العلمية أخطر ما نواجهه"، أجاب الشعراوي! (ذلك أن بعض العلماء في اندفاعهم في التفسير، وفي محاولتهم ربط القرآن بالتقدم العلمي، يندفعون في محاولة ربط كلام الله بنظريات علمية مُكتشفة، قد يثبت بعد ذلك أنها غير صحيحة، وهم في اندفاعهم هذا يتخذون خطوات متسرعة، ويحاولون إثبات القرآن بالعلم، والقرآن ليس في حاجة إلى العلم ليُثبت، فالقرآن ليس كتاب علْم بالمعنى الدارج الآن، ولكنه كتاب عبادة ومنهج. فالقرآن لم يأت ليعطينا أسرار علم الهندسة أو علم الفلك أو علم الفضاء. والله سبحانه وتعالى يعلم أنه بعد عدة قرون من نزول هذا الكتاب الكريم، سيأتي عدد من الناس ويقولون: انتهى عصر الإيمان...). غير أن مخاوف الشعراوي من "عواقب" التفسير العلمي لا تمنع الداعية من التأكيد، بأن "الله سبحانه وتعالى قد وضع في قرآنه ما يُعجز هؤلاء الناس، ويثبت أن عصر العلم الذي يتحدثون عنه قد بينه القرآن في صورة حقائق الكون، ولم يكتشف العقل البشري معناها إلا في السنوات الماضية. ومن هنا فإن آيات الكون الكبرى إنما جاءت للتحدي ولإثبات أن خالق الكون هو منزِّل الكتاب". لقد درج الباحثون في مجال التفسير على تقسيم المفسرين إلى مدارس أو مناهج، ومن هؤلاء الباحثين د. فضل حسن عباس، في كتابه "المفسرون: مدارسهم ومناهجهم"، عمّان 2007. ففي "المدرسة العقلية الاجتماعية" يدرج الإمام محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وعبدالقادر المغربي ومحمد مصطفى المراغي، وأحمد مصطفى المراغي والأستاذ محمد شلتوت. وفي "المدرسة التربوية الوجدانية" يشير إلى سيد قطب، وفي "مدرسة الجمهور" نرى محمد جمال الدين القاسمي وحسن مخلوف وعبدالرحمن السعدي وعبدالحميد بن باديس وحسن البنا والأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين. أما "المدرسة العلمية"، فتضم الشيخ طنطاوي الجوهري صاحب "تفسير الجواهر"، والذي أغرق تفسيره بالشواهد العلمية و"نحا فيه منحى خاصاً، ابتعد في أكثره عن معنى التفسير، وأغرق في سرد أقاصيص وفنون عصرية وأساطير"، كما يقول عنه "الزركلي". وقد ولد الشيخ "الجوهري" سنة 1870 في كفر "عوض الله"، ونشأ به، وكان يشتغل بالأعمال الزراعية، وتلقى تعليمه الأولي في "الغار"، بلد جدته لأمه، وكان مشهوراً بجودة الحفظ والذكاء المفرط، وقد درس بالجامعة المصرية، وتعلم اللغة الإنجليزية وهو مدرس بالخديوية وانتفع بها كثيراً في تأليف "تفسير الجوهر"، الذي يقع في 26 مجلداً، وكتب أخرى. أما وفاته فكانت سنة 1940، فعاش نحو سبعين عاماً، "صحيح الجسم معافى البدن، قوي الذاكرة، مشرق المحيا". وقد تُرجم تفسيره إلى اللغة الأردية، فأقبل عليه أهل الهند إقبالاً عظيماً، وترجم إلى لغات أخرى. وكان معروفاً في الهند وفارس والصين وإندونيسيا وتركستان، وقد يسمي أهل تركستان مدارسهم وجامعاتهم وكتبهم باسمه. ويصفه د. عباس بأنه "جامع بين الثقافتين الدينية والحديثة، ومازج المسائل الدينية بالآراء الاجتماعية والسياسية. يرمي في كل أحاديثه وتأليفه، إلى التوفيق بين العلم، وما جاء به القرآن، وإلى أن العلم إذا أحسن فهمه، كأداة صالحة لتفهم روح الدين". وأذكر شخصياً أنني طلبت من والدي ربما عام 1960، وأنا في أواخر المرحلة المتوسطة أن يحضر لي نسخة من هذا التفسير، فأحضرها معه متذمراً من كثرة وثقل المجلدات! ولقد طور تفسير الآيات القرآنية منذ ذلك الوقت باستخدام الحقائق والنظريات العلمية، وحاول الكثيرون التوسع في مختلف الآيات في ضوء المكتشفات، أو التأكيد على سبق القرآن في هذا المجال. وانقسم الدارسون والمفسرون أنفسهم في تأييد ومخالفة هذا المنحى مما يطول شرحه. ويثير التفسير العلمي للقرآن تساؤلات، فالمسلم يؤمن بأن القرآن الكريم رسالة الخالق إلى الإنسان، فكيف تكون غامضة؟ وقد وُجِّه مثل هذا السؤال للشيخ الشعراوي، كما جاء في كتاب "الفتاوى الكبرى"، ويقول السؤال: "لماذا لم يُفسِّر القرآن الكريم الآيات العلمية لأولئك الذين عاصروا نزول القرآن، وربما للأجيال التي بعدهم"؟ وكان جواب الشعراوي أن قوانين الكون وقوانين الخلق ينتفع بها الناس سواء علموا أو لم يعلموا. ومن هنا لم يكن تفسير هذه القضايا العلمية المتقدمة التي ذكرها القرآن ضرورة بالنسبة للذين عاصروا نزوله، لأنهم لا ينتفعون بها، سواء علموها أو جهلوها، ولذلك أعطاهم الله على قدر عقولهم، ثم كشف سبحانه وتعالى بعد ذلك للأجيال، كل جيل على حسب عقله وحاجته في عصره". ولكن هذا يعني أن استخدام "التفسيرات العلمية" للقرآن، في مجال الفلك وعلم الجينات والجيولوجيا وغيرها، صحيحة اليوم، أو ضرورية، أو مبررة، لكن الشعراوي يقول: "قد يثبت التقدم العلمي بعد ذلك أنها غير صحيحة"، وأن "القرآن ليس في حاجة إلى العلم ليثبت". ونتساءل: لماذا يستقي المسلمون العلوم والنظريات الغربية لتفسير الآيات، ولم يحاولوا عبر سنين ممتدة تطوير فهم علمي مستقل وشرعي لها؟ فالملاحظ أن ظاهرة تفسير نصوص القرآن والحديث في ضوء الحقائق العلمية الثابتة، كالجاذبية وكروية الأرض وغيرهما، منحى ارتبط بتقدم هذه العلوم بعد الاكتشافات في الغرب، وبعضها -أي الحقائق- مثل كروية الأرض أو السفر إلى الفضاء، وجد مقاومة لا يستهان بها في العالم الإسلامي. أما المسلم المعاصر، فذهنه لا ينصرف اليوم إلا للاكتشافات والتطورات العلمية في مجال الفضاء الخارجي وبيولوجيا الإنسان. فهل الفهم والتفسير المعاصر أصح وأصدق من فهم القدماء ممن فهموا هذه الآيات وغيرها على وجه آخر قبل ارتقاء علوم الفلك والأحياء وغيرها؟ فهذا ما يُفهم من تفسير الشعراوي! وقد سُئل سؤالاً مؤداه: "بعض المستشرقين يقولون إن قوانين الكون تتصادم مع القرآن الكريم، فبماذا ترد فضيلتكم على هذا القول"؟ فقال: (نحن نؤكد لكم أن العلم سواء القديم أو الحديث لم يثبت أن حقيقة كونية واحدة اصطدمت بما جاء في القرآن الكريم. ولكن هذا التصادم المزعوم يأتي أحياناً عن حقيقة قرآنية أسيء تفسيرها، لتبدو غير معناها الحقيقي، أو نظرية علمية كاذبة يحاول الكارهون لدين الله إثبات أنها حقيقة ليستغلوها ضد القرآن. وكما قلت فأعود وأكرر، إننا لا نريد أن نثبت القرآن بالعلم، بل إن العلم هو الذي يجب أن يلتمس الدليل من آيات القرآن الكريم، ذلك أن القرآن أصدق من كل علوم الدنيا، لأن مكتشف هذا العلم أو مخرجه بشر من خلق الله، والقرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى). ويرى الشعراوي أن قوانين الكون المادية لا تعمل إلا بمشيئة الله، "ولذلك فإن الله تعالى يعطلها متى شاء، فمثلاً مع نبي الله إبراهيم عليه السلام، عطّل الله تعالى خاصية الإحراق في النار، حين قام الكفار في عهد إبراهيم ليحرقوه أمام أصنامهم وآلهتهم". ويضيف : "كان من الممكن أن تنطفئ النار لأي سبب من الأسباب، كأن ينزل الله المطر من السماء مثلاً، أو يرسل الريح عاصفة بها وبهم، ولكن ذلك لم يحدث، لأنه لو حدث لقالوا: لو لم تمطر السماء، أو لم تهب الرياح لانتقمت آلهتنا منه بالحرق، ولكن إبراهيم لم يهرب، والنار لم تنطفئ، بل زادت اشتعالاً، وألقوا إبراهيم في النار ليحرقوه، ولكن الله سبحانه وتعالى عطل خاصية الإحراق في النار".