في فترة الاشتغال الفكري أواسط القرن الماضي، كتبت "سيمون دي بفوار" الأديبة الفرنسية الشهيرة روايتها "المثقفون"، تُدافع فيها عن الإنسان صاحب الفكر والوعي الاجتماعي وسط اتهامات بأنهم خذلوا شعوبهم إبان الحربين العالميتين. ولعل دفاعها كان حقاً، حين اعتبرت نفسها منهم، وجعلتهم أسباب نهضة الأمم أو انتهاءها، فالوعي هو حالة من الاستنهاض للعقل وإدراك الحقائق، دون تكوين أو تسويغ، أو مبررات، هو قمة الثقافة وأصلها. وهو ما فعله "فرويد" مؤسس علم التحليل النفسي الذي نتهمه دوماً بأنه مهووس جنسياً أكثر من كونه عالماً اكتشف مساراً علمياً مختلفاً يسمى اللاوعي، وأن الإنسان خاضع له ولتأثيره أكثر من أي شيء آخر. "فرويد" اليهودي الديانة، والمعتز بصهيونيته، كان يرفض اعتبار فلسطين وطناً لليهود، وكان من أصحاب فكرة إيجاد وطن بديل لليهود، ولكن ليس فلسطين، ولا أي وطن يتم تهجير أهله واستغلال أراضيهم وسرقتها. ويحوي بيته الذي تحول متحفاً 6000 مخطوطة عبارة عن رسائل تبادلها مع زملائه طيلة سنوات عمره، منها رسائل تخاطب ساسة يهود يسألهم فيها ألا يكون الفلسطيني، ضحية لليهود الذين طالما عانوا من الاضطهاد. هذا الدور الذي اضطلع به هذا المحلل النفسي الأشهر، الذي تحولت مؤلفاته إلى مرجع في علم النفس، جعله يحمل سمة العالم المثقف والإنسان الذي يهتم بحال الإنسان وكرامته أياً كان، وذهب أيضاً الكثيرون بعده لانتهاج منهجه في رفضهم التهجير وسرقة فلسطين كونها وطناً لأهلها لا لأحد غيرهم. هذا المثقف لعب دوراً مؤثراً ظل دليلاً على إمكانات هذا العالم ووعيه الفذ بالآخرين، حتى لو لم يكونوا أهله. هو الدور ذاته، الذي يفترض بالمثقف أن يضطلع به، ويعمل على ترسيخه كمفهوم متحضر للمثقف، الذي يحمل مسؤولية اجتماعية أن يسعى لابتكار أرضية تغيير لكل الأوضاع الخطأ. منذ أيام طالعنا أحد المثقفين العرب في إحدى القنوات الفضائية، بضرورة تسييس الثقافة وتحويلها إلى لغة مشتركة بين الحاكم والمحكوم. هي بالضرورة لغة وسطية تسعى إلى بناء أرضية مشتركة، تعزز من الحوار بين أصحاب القرار والشعوب. الغريب أن بعض المثقفين يفقدون مصداقيتهم، عندما يحملون تاريخاً من التلون واعتناق أفكار تكاد تتعاكس طرقها، لدرجة أن المتابعين لكتاباتهم يصابون بالحيرة. ومع الأسف انحدرت قامة بعض المثقفين، فلا هم استمالوا السلطة وأسسوا لبناء ثقة متبادلة، ولا استطاعوا أن يتحولوا إلى فاعل شعبي يسهم في التأسيس لفكر إيجابي مختلف. لا غنى عن المثقف، فهو مصدر لحراك، يواجه العتمة والتخاذل، وللحقيقة أن لقب مثقف شرف لا يجب أن يُمنح لكل من يدعي أنه صاحب وعي من نوع خاص. نحن في أمس الحاجة لمثقف بثقل "فرويد" وغيره، من المثقفين الذين يعرفون الحقيقة دون مواربة أو ادعاء بلا سبب.