إن تحديد العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة ضروري في أي حركة ثورية أو أي تنظيم ثوري أو أي أيديولوجية ثورية. ولقد شاعت أدبيات تحديد العلاقة بين الدولة والثورة، ولكن تحديد العلاقة بين الحزب والسلطة والثورة أقل شيوعاً. ومع ذلك هي ضرورية بالنسبة للربيع العربي الذي انطلق دون أيديولوجية ثورية مسبقة. وما زال ينقصه بعض الوضوح النظري بعد انتصاراته الأولى في تونس ومصر، وليبيا واليمن وسوريا في الطريق، والبقية تأتي. فما هو الحزب؟ الحزب تعبير عن طبقة أي عن مصلحة فئة كبيرة من فئات الشعب، عمال، فلاحين، طبقة متوسطة أو حتى طبقة عليا مثل حزب "العمال" في بريطانيا. وقد نشأت معظم الأحزاب الغربية على هذا النحو. وقد يكون تعبيراً عن أيديولوجية سياسية محافظة كما هو الحال في حزب "المحافظين" في بريطانيا أو "ديمقراطية" و"جمهورية" كما هو الحال في الولايات المتحدة في الحزبين الكبيرين "الديمقراطي" و"الجمهوري". وقد نشأت بعض الأحزاب الأوروبية على هذا النحو مثل معظم الأحزاب "الديمقراطية" والاشتراكية والمسيحية والشيوعية والليبرالية والقومية والنازية القديمة أو الجديدة. وقد يجمع الحزب بين النشأتين المصلحة والأيديولوجيا في آن واحد. فالأيديولوجيا نفسها تعبير عن مصلحة. فالاشتراكية تعبير عن مصلحة الفقراء. والليبرالية يتبناها الأغنياء كما تتبناها الطبقة المتوسطة. وفي المجتمع العربي، الأحزاب تعبير عن أيديولوجيات أكثر منها تعبيراً عن مصالح. فالأحزاب تخترق كل الطبقات الاجتماعية، الدنيا والوسطى والعليا. تنقسم بعدها إلى محافظة وتقدمية، يمينية ويسارية طبقاً لدرجة وعيها الذاتي بقضايا المجتمع والتزامها بها. ويمكن تصنيف معظم الحركات والتجمعات السياسية على هذا الأساس. هي أحزاب أيديولوجية في البداية والنهاية. وهي أداة لتجنيد الجماهير. والغاية الوصول إلى السلطة عن طريق الأغلبية في انتخابات حرة أو عن طريق التحالفات والائتلافات. والحريات مكفولة للجميع. الخطورة هو منطق الحزب، الحصول على السلطة، واعتبار نفسه هو الوحيد على حق، "الفرقة الناجية"، وأنه أولى بالحكم من غيره. وأنه قد يدخل في صراع ومنافسة مع باقي الأحزاب أكثر مما يدخل في وفاق وائتلاف معها والاجتماع على الحد الأدنى من المبادئ الوطنية وليس على الحد الأعلى. اتفاق على الحد الأدنى واختلاف في الحد الأعلى. والحقيقة أنه طالما أثرت أحزاب في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية دون الوصول إلى السلطة مثل حركة جمال الدين الأفغاني الإصلاحية. وطالما وصلت أحزاب إلى السلطة دون أن تؤثر في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية مثل معظم الأحزاب الحاكمة في الوطن العربي التي تجرفها الآن الثورات العربية. وعادة ما يكون قادته نخبويين من المثقفين. ونادراً ما ينشأ القادة من ثنايا جماهيره. وتتصارع فيه الأجنحة إما على تفسيرات يمينية ويسارية أو محافظة وتقدمية للحزب أو بناء على مصالح شخصية وسعي وراء القيادات أو تغلغل الفساد المالي والسياسي. فتحدث انشقاقات في الحزب، بين قديم وجديد، وتتحول الأجنحة المتصارعة إلى أحزاب مستقلة مثل السعديين الذين خرجوا عن الوفديين قبل ثورة 1952 و"الوسط" الذي خرج من "الإخوان" قبل ثورة 2011. أما الثورة فهي جماهيرية بالأساس، أوسع من الحزب، وقاعدة السلطة. الثورة ليست مفهوماً كالأيديولوجيا ولا تنظيماً كالحزب. الثورة تجربة شعبية معيشة. انتفاضة الحياة اليومية. هي البحث عن رغيف الخبز للجوعى، والمسكن للمشردين، والدواء للمرضى، والمدرسة لأطفال الشوارع. الثورة تجربة حية لم تنشأ من كتب نظرية ولا من تنظيم مجموعات. وأحياناً تتجاوز الحزب الذي لم يستطع أن يحقق مطالبها بل خانها وتحول إلى فئة لها مصالحها الخاصة. تعبر عن مصالح الطبقة الدنيا، العمال والفلاحين وصغار الموظفين بلا تنظيم حزبي ولا أيديولوجيا سياسية. قد تندلع تلقائيّاً. تحتاج إلى مجرد سبب مفجر مثل إهانة البوعزيزي بداية لانطلاق الثورة التونسية، وتزييف الانتخابات ومقتل خالد سعيد بداية لانطلاق الثورة المصرية. يقودها الشباب الجدد وليس الأحزاب القديمة، رجالا ونساء. الهدف التغيير الاجتماعي وليس بالضرورة الحصول على السلطة. يكفيها إسقاط النظام الذي كان سبباً في الفقر والقهر. هي انتفاضة لتغيير الوضع القائم والرغبة فيما هو أفضل. وعلى رغم أنها ليست لفظاً تراثيّاً مثل الدين والشريعة والإسلام إلا أنها تنزل نفس المنزلة. فالألفاظ إما نازلة وهو ما سماه الفقهاء التنزيل وإما صاعدة وهو ما سماه الصوفية التأويل. والكمال في تقابل الاثنين التنزيل والتأويل، النازل والصاعد حتى يمتلئ النص بمضمون الواقع وتتحول الأوامر والنواهي إلى احتياجات ومطالب. وما تفرضه الشريعة على الإنسان يطالب به الإنسان باسم الشريعة أو بدونها. أما السلطة فهي أداة للتغيير. ليست غاية في ذاتها، ولا تحكم بذاتها بل هي أداة منفذة لوسائل أخرى مثل الثقافة السياسية. وغالباً ما تتحول إلى طبقة، رجال السلطة، تجتمع حولها طبقة أخرى، طبقة رجال الأعمال جمعاً بين السلطة والثروة. ثم تستند كلتا السلطتين إلى سلطة ثالثة، رجال الأمن، لتحمي السلطة والثروة. كذلك ظهر في مصر رجال السلطة ورجال الأعمال ورجال الأمن يداً واحدة. والسلطة قد تكون غير محببة في أذواق الجماهير، مرتبطة بالقهر والاستغلال، والوزارة والرئاسة. "يا بخت من كان النقيب خاله". قد تبدأ بالتعبير عن الشعب وتنتهي بالدفاع عن نفسها ضد الشعب. فالسلطة لها منطقها الخاص. وقد يعود الشعب للثورة عليها بعد أن أنجبها للدفاع عنه وتحقيق مطالبه. وأحياناً يكون التقدم مرهونا بالقضاء على السلطة التي تحجرت وتصلبت لصالح سلطة جديدة تعبر عن الثورة الدائمة. الثورة هي الدائم، والسلطة هي المتغير. والحزب هو العلاقة بين الدائم والمتغير. الثورة وقود لا ينطفئ، والسلطة وعاء لا يمكنه أن يختزن الثورة. والحزب هو العصب الذي يربط بين الثورة والسلطة، بين الوقود والقدْر. فإذا انطفأت الثورة برد القدر وجمد العصب. وإذا انقطع العصب لم يصب الوقود في شيء كي ينتهي إلى نار القدر. وإذا غاب القدر حرق الوقود العصب نفسه ولم يجد ما يُوظف فيه ويستخدم له. والنــــــــــار تأكــــل بعضهـــــــا إن لم تجد ما تأكلــــــــــه يتطلب الوعي الثوري لشباب 25 يناير تحديد العلاقة بين الحزب والسلطة والثورة، وأن يظل الشباب هم الثورة. ويتركوا لغيرهم التنظيمات الحزبية والسلطات السياسية. هم القلب النابض وليس بالضرورة العقل التنظيمي، وهو الحزب أو الساق التي تسعى وهي السلطة. الثورة في طاقتها الأولى ولهيبها الذي اندلع لينقل المجتمع من نظام إلى نظام، ومن مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى. يسرع الجميع إلى السلطة ويقطعون جذورهم بالثورة وربما بالحزب. كما يسرع آخرون إلى الحزب وسيلة للسلطة وينسون الثورة التي هيأت تكوين الأحزاب. ويفضل بعض الثوار البقاء في الثورة، الثورة الدائمة كما فعل "جيفارا" رافضاً الحزب والسلطة