التعليم الإماراتي: واقع وآفاق
أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ مدة طويلة أهمية وضع التعليم في صدارة خططها التنموية، ومن تلك الخطط "رؤية الإمارات 2021"، و"رؤية أبوظبي 2030"، و"رؤية دبي الاستراتيجية 2015". وهكذا نرى أن الرؤية الاستشرافية للتعليم الإماراتي تضمنت قضايا عدةً، منها إدراك حقيقة أن تطبيق الخبرات الدولية قد لا يعطي بالضرورة النتائج مشابهة، وأنه لتحقيق أهداف هذه الخطط التنموية الهامة، يجب على كافة المشاركين في العملية التعليمية الوعي بمتطلباتها والعمل بانسجام وتناغم. وفي الكتاب الذي نعرضه هنا نتصفح أوراق عمل المؤتمر الأول للتعليم الذي عقده مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أكتوبر 2010 تحت عنوان "التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة... الوضع الراهن والتطورات المستقبلية"، وذلك بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين من أهل الاختصاص التربوي، أكدوا جميعاً على ضرورة الاستجابة للتحديات المتعلقة بتقدم التعليم الذي يعتمد عليه نجاح الدولة في إنجاز أهدافها خلال العقود القادمة، بما في ذلك تنويع الخريجين والمدارس والمناهج، وتحسين جودة البيئة المدرسية، والتغلب على القيود التي تفرضها أساليب التعليم التقليدية، وإيجاد مقاربات فعالة للتنمية والتقويم والتقدير، وتحسين عملية التوجيه التعليمي للطلاب، وتحقيق مشاركة أكبر للأسر في العملية التعليمية لتحقيق مستويات مرتفعة من التحصيل العلمي؛ وتعزيز الثقة في النفس، وترسيخ الشعور القوي بالمواطنة، وغرس ثقافة الاعتدال والتسامح بين الطلاب. وللوصول إلى هذه الأهداف، وضعت وزارة التربية والتعليم خطة استراتيجية عشرية تهدف إلى إصلاح قطاع التعليم ورفع مستوى التحصيل العلمي للطلاب عبر توفير بيئة تساعد على تحقيق التميز التعليمي؛ ودعم الفرص التعليمية المتساوية؛ وتعزيز الشعور بالمواطنة؛ وتحسين الكفاءة الإدارية.
وكما أوضح الكتاب، فإن التعليم في القرن الحادي والعشرين، يقوم بدور "القاطرة المحركة" للنمو الاقتصادي المستدام والتنمية الاجتماعية وبناء الدولة. وقد تطورت الصناعات العالية التقنيات، يدفعها التقدم غير المسبوق في مجال العلوم والتقانة، بما استلزم رفع مستوى التحصيل العلمي. هذا الواقع الجديد أظهر الحاجة إلى قوة عاملة تتمتع بمستويات عالية من التدريب والتعليم؛ ما قاد إلى ظهور الاقتصاد القائم على المعرفة.
ومن القضايا الأساسية للتعليم العالي في القرن الحادي والعشرين: زيادة نسبة التحاق الطلاب بالتعليم العالي، والتحسين المستمر للجودة الأكاديمية، والبحث التطبيقي التعاوني، والابتكار والريادة، وسرعة الاستجابة للحاجات المجتمعية، والتركيز على التعليم الابتكاري. ولإيجاد نهج يدفع نحو مثل تلك التطورات في مجال التعليم الإماراتي، طرح المؤتمر أربعة مسارات للعمل. أولاً؛ ضرورة اشتمال الاستراتيجيات والسياسات التعليمية الخاصة بدولة الإمارات على التنسيق الوثيق بين المجالس والهيئات التعليمية القائمة في عدد من إمارات الدولة. فمثلا يقوم مجلس أبوظبي للتعليم بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم لتوحيد أدوارهما، وبينما تواصل الوزارة رسم سياستها التعليمية العامة المستمدة من الخطة الاستراتيجية للحكومة الاتحادية، يستمر المجلس في الاضطلاع بمسؤولية التخطيط المستقبلي وتنمية التعليم في إمارة أبوظبي، إلى جانب قيامه بمهامه اليومية في إدارة المدارس بالإمارة، كما يضع المعايير التي تحكم أطقم التدريس والمؤسسات التعليمية في أبوظبي لضمان تحقيق مستويات الاحترافية المنتظرة خلال الأعوام العشرة المقبلة.
ثانياً؛ يتطلب التعليم المدرسي بدولة الإمارات مناهج خاصة لتطوير اقتصاد قائم على المعرفة. ويقوم النهج الذي تتبعه الدولة على ثلاثة عناصر: المرونة والإبداع والمخاطرة. وقد أشار بعض المشاركين إلى ضرورة تهيئة الجو الملائم بالمدارس لكي يختبر الطلاب مخاطر الفشل والنجاح في سعيهم نحو تحقيق أهدافهم. وقد ناقش المؤتمر بعض القضايا في هذا الصدد، مثل: توفير التدريب الملائم للمدرسين، ورفع الكفاءة اللغوية لدى الطلاب في اللغتين العربية والإنجليزية، وتوسيع خيارات التوظيف بزيادة التركيز على وظائف المهارات البحثية.
ثالثاً؛ يقوم التعليم العالي بدور "القاطرة المحركة" للنمو الاقتصادي؛ كما أنه أساس التنمية الاجتماعية في دولة الإمارات. وقد أشار المؤتمر إلى أهمية احتذاء النماذج الصينية والهندية والسنغافورية فيما يتعلق بالاستثمار في التعليم العالي، وإلى ضرورة تعزيز البحث العلمي وفقاً لمعايير الصرامة الأكاديمية والمناهج الابتكارية.
رابعاً؛ ترتبط الرؤية المستقبلية للتعليم الإماراتي بقضايا مثل ضرورة إدراك حقيقة أن تطبيق الخبرات العالمية على المؤسسات التعليمية الإماراتية لن يسفر بالضررة عن النتائج ذاتها، ومن ثمّ لابد من أخذ تراث الدولة المستمد من حضارتها الإسلامية وقيمها الاجتماعية بعين الاعتبار عند صياغة السياسة التعليمية. وفي هذا الخصوص أثار الكتاب عدة تساؤلات: أي النماذج التعليمية ينبغي للمدارس الخاصة والحكومية والجامعات اتباعه لتعزيز معاني "الاتحاد" و"العروبة" وتحقيق أعلى معايير التميز الأكاديمي ومهارات اتخاذ القرار والتواصل والتفكير النقدي في الوقت ذاته؟ وأي من النماذج يمكنه خلق وتطوير مواطن متزن ومبدع وقادر على التفاعل مع الثقافات المختلفة في الوقت الذي لا تنقطع فيه صلته بثقافته الخاصة؟ وكيف يتسنى لنا أن نوجد فلسفتنا وأفكارنا الخاصة للوصول إلى هذه الأهداف التعليمية؟
محمد ولد المنى
--------
الكتاب: التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة... الوضع الراهن والتطورات المستقبلية
المؤلفون: جماعة
الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
تاريخ النشر: 2011