الأزمة السياسية في المالديف
يبدو أن المخاض الجاري حالياً في جزر المالديف المعروفة بمنتجعاتها السياحية وشواطئها الخلابة وصل حداً جعل البلد الصغير يتصدر وسائل الإعلام ويحظى باهتمام واسع في الفترة الأخيرة، لا سيما في منطقة المحيط الهادئ، فبعد ادعاءات بوجود انقلاب على السلطة الشرعية وادعاءات مضادة باستمرار الحياة السياسية أعلنت حكومة المالديف خلال الأسبوع الجاري نيتها عقد انتخابات رئاسية في يوليو 2013 علَّها تنهي الجدل الدائر وتعود بالبلاد إلى طبيعتها الوادعة التي جعلتها طيلة سنوات طويلة بمنأى عن المشاكل الدولية والاضطرابات الخطيرة، والملفت أن الإعلان الحكومي بتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة تزامن مع وصول الرئيس السابق لجزر المالديف المنتخب ديمقراطياً لأول مرة في تاريخ البلاد، نشيد محمد، إلى نيودلهي طلباً للدعم الهندي لعقد انتخابات مبكرة قد تعيده إلى السلطة مجدداً.
ويبدو أن الرئيس السابق الذي عرف بعقده اجتماعاً حكومياً تحت الماء لتسليط الضوء على أخطار التغير المناخي قدم إلى الهند خصيصاً للاجتماع بالقيادة السياسية وضمان مساعدتها المتمثلة في الاعتراف بشرعيته وبالحاجة إلى إعادة الديمقراطية إلى البلاد.
لكنه وفي حواراته المختلفة مع وسائل الإعلام الهندية، انتقد القيادة السياسية لعدم قبولها روياته بأنه أطيح به من السلطة كرئيس منتخب وعاب على الهند استمرار دعمها واعترافها السريع بالسلطة الجديدة التي تولت الحكم.
ففيما كان يتحدث محمد نشيد أمام مركز للأبحاث في الهند عبر بوضوح عن ما وصفه بصدمته الشديدة لاعتراف الهند المتعجل بالنظام الجديد، قائلاً "لقد أخطأت الهند تماماً بخطوتها تلك، كان على المسؤولين القول إن ما جرى في المالديف كان انقلاباً عسكرياً، لكنهم لم يفعلوا"، مضيفاً أنه شعر بـ"الصدمة وخيبة الأمل والحزن" بشأن الموقف الهندي.
وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس المالديفي السابق يكيل التهم والانتقادات للهند ويعبر عن استيائه منها لعدم وقوفها إلى جانبه، حثها في نفس الوقت على استخدام وسائل الإكراه وتوظيف الآليات المتوافرة لدى وزارة الخارجية للضغط على النظام الجديد في المالديف وحمله على عقد انتخابات مبكرة.
والحقيقة أن محمد نشيد ومنذ تنحيه عن السلطة خسر الكثير من مصداقيته، بسبب التضارب الشديد في تصريحاته واختلاط الأمر على المراقب الخارجي.
فالرئيس الذي كان أحد السياسيين الواعدين في المالديف، وأحد ناشطي حقوق الإنسان المعروفين في البلاد، أدلى بسلسلة من التعليقات المتناقضة جعل العديد من المحللين يتساءلون عما يريده الرجل من تصريحاته الإعلامية ومن قول الشيء ونقيضه في الوقت نفسه.
فقد استقال محمد نشيد من الرئاسة في شهر فبراير الماضي بعد سلسلة من الاحتجاجات الشعبية على قراره المثير للجدل بإقالة قاض كبير في البلاد، حيث أدلى بخطاب إلى الشعب على شاشات التلفزيون أعلن فيه بوضوح استقالته من الرئاسة تجنباً لعدم الاستقرار والفوضى التي قد تسقط فيهما البلاد، لكنه عاد لاحقاً ليغير أقواله تماماً ويدعي أن ما جرى كان انقلاباً عسكرياً في المالديف، وأنه أُرغم على التنازل عن الرئاسة بضغط من الانقلابيين، لذا جاء موقف الهند واضحاً بتمسكها بما قاله نشيد نفسه في خطابه الأول، وأعلن فيه التنحي عن الرئاسة بطيب خاطر.
ولم تشعر الهند أن الرئيس أُجبر على الاستقالة، ولا أن البلاد واقعة تحت انقلاب عسكري، وهو ما دفع الحكومة الهندية إلى إصدار بيان ترحب فيه بالنظام الجديد وتعترف بشرعيته. وبالطبع خرج محمد نشيد على وسائل الإعلام الدولية نافياً تنحيه عن السلطة، ومؤكداً روايته الأخيرة بأن ما جرى في البلاد كان انقلاباً عسكرياً الهدف منه، على حد قوله، اغتصاب الحكم بالقوة وإزاحته عن السلطة الشرعية، وبأنه يتعرض لمؤامرة ليس أكثر، والتبرير الذي يسوقه محمد نشيد هو رغبة خصمه التقليدي والرئيس الأسبق للمالديف، مأمون عبد القيوم، في إدارة الأمور، مؤكداً أن الحكومة الحالية ليست سوى واجهة لتدخله.
ولم يكتف محمد نشيد وهو يحاول الرجوع إلى السلطة بانتقاد الهند لاعترافها السريع بالنظام الجديد، بل وجه سهامه أيضاً إلى الولايات المتحدة، مطالباً المجتمع الدولي بسرعة التدخل ضد الحكومة الحالية واتخاذ إجراءات عقابية مثل فرض حظر على السفر.
ورغم الدور الذي يلعبه أنصار الرئيس الأسبق، مأمون عبد القيوم، داخل النظام الجديد، تبقى المشكلة الأساسية في المالديف مع محمد نشيد نفسه، الذي وإن كان قد أطلق سلسلة من الإصلاحات، إلا أنه عاد لاتهام خصومه بالتشدد الإسلامي بعد تراجع شعبيته في البلاد، غير أن هذا المخاض الذي يطال النظام السياسي المالديفي يظل في النهاية أمراً داخلياً.
ومن غير المرجح تدخل قوى خارجية رغم مطالبات محمد نشيد المتكررة بذلك، فالهند التي ظلت تربطها علاقات جيدة مع الرئيس الأسبق، مأمون عبد القيوم، ليست في وراد الزج بنفسها في الشؤون المالديفية، لا سيما بعد الانتقادات العلنية التي سمعتها من محمد نشيد، كما أن نيودلهي ورغم قبولها بالنظام الجديد في المالديف، فإنها طالبت ومعها دول مجموعة الكومنولث والاتحاد الأوروبي بضرورة تنظيم انتخابات مبكرة لحل الإشكال السياسي القائم حالياً، وفي جميع الأحوال يظل الوضع في المالديف غامضاً ولا أحد يعرف كيف ستسير الأمور خلال السنة الجارية بسبب استمرار التجاذبات السياسية، فمن جهة يصر محمد نشيد على العودة إلى السلطة ويجيش من أجل ذلك أنصاره الذين أعاودا عرض فيلم في الفترة الأخيرة يوثق حملته الناجحة ضد التغير المناخي.
ومن جهة أخرى تبدي السلطة الحالية تردداً واضحاً في تبكير الانتخابات، وبين هذا وذاك تبقى المالديف مهددة ليس فقط بوضعها السياسي الهش وأزمتها المتواصلة، بل أيضاً بموقعها كمجموعة من الجزر مهدد بالغرق في مياه المحيط.