كنا نسمع عن مجازر دير ياسين فتخرج المظاهرات. كنت طالباً صغيراً في سن السادسة ونحن نهتف: بن غوريون مثل القط هو ودالاس صار ينط! أنا الآن رجل تجاوز الستين، فأرى عمق الأزمة الداخلية، فقد كانت المذبحة في الحولة السورية أواخر مايو 2012 تنسي كل مجازر بني صهيون الذين يتفرج على العرب وهم يقتتلون ويفتكون ببعضهم بعضاً. وبالفعل يمكن اختزال سوريا في ثلاث كلمات: أسد وغابة وعصابة، غابة تسرح فيها الضواري فتفترس الضعاف بدون قانون ولا حرمة. إن المأساة السورية تذكرني بما يقال من أن البلايا تأتي يرقق بعضها بعضاً فيترحم الناس على النباش الأول! أما النظام فيقول -كالعادة- وعلى نفس القافية من الكذب الممنهج إنها العصابات المسلحة! فيما يكرر العالم الغربي نفس مقولته: ندين، نشجب، نستنكر... ومعهم مجلس الأمن وبان كي مون والجامعة العربية. والمؤكد أن الكل مشترك في الجريمة. إنها المسؤولية المتدرجة، فكل من يمد هذا النظام بالسلاح والمال والرجال هو من حلف القتل، وكل من لا يحاول دفع الظلم عن هؤلاء المساكين الذين تراق دماؤهم له نصيب مما يحدث. ومع هذا فهناك العديد من زوايا الرؤية لما يجري، فبالنسبة للنظام البعثي ليس هناك من جديد، والشعب السوري في عمومه لا يصدق إذاعته ولو بدرجات الحرارة. وأغلب مسانديه هم من المنتفعين الذين شكلوا معه وحدة عضوية، وبذلك فهم يعرفون تماماً أن نهاية النظام ليس توزيع رؤوس القتلة على درعا وحمص وحماة للشنق، بل كما جاء في تقرير باللغة الإنجليزية إما يتماسكون سوية أو يشنقون فرادي. في كتاب "العبودية المختارة" الذي كتبه أتيين دي لابواسييه قبل أكثر من أربعة قرون، فكك آلية الطغيان ولاحظ أن الحلقة الداخلية هي رهط من المجرمين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، يشركهم الطاغية في القتل فيصبحون كتلة واحدة من الأسمنت الداخلي لها هو الدم المباح. يفعلون بخصومهم كل شيء، ويكذبون في كل شيء، ويتقاسمون الغنائم، وتبقى الحصة الكبيرة لرئيس القراصنة القاتل الأعظم. مع هذا فقد ارتج العالم لما حدث لأن الكثير من القتلى كانوا نساءً وأطفالاً لا يملكون الدفاع عن أنفسهم، فماتوا مقتولين مظلومين عزلا. يذكرني ذلك بما حدث في مذبحة صبرا وشاتيلا وكيف كانت سبباً في إطلاق مظاهرات داخل إسرائيل ضد شارون نُصرةً لأولئك الذين قتلوا ظلماً. إنه نفس المبدأ بنصرة المظلومين وتحرك النفوس لنصرتهم. وهو يذكرني أيضاً بقصة ولدي ابن آدم حين رفض الثاني أن يحل المشكلة بالقتل وتقبل الموت بدون دفاع عن نفسه. إنها في عمقها ترميز هائل لما يفعل الظلم في حياة الناس وميل الروح الإنسانية إلى إنصاف المظلوم ونصرته. هل يمكن أن تحدث مجزرة الحولة تحولاً في مسار الثورة السورية؟ انطباعي أن هذه الثورة ماضية في طريقها حتى النصر.