التحدي العالمي: الأمن الغذائي في 2050
لنتخيل الكم الهائل من الغذاء الذي أنتجه البشر على امتداد الثمانية آلاف سنة الماضية، ولنتأمل أيضاً حقيقة أننا اليوم في حاجة إلى نفس الكمية من الغذاء لتغطية الأربعين سنة المقبلة فقط لإطعام سكان العالم الذين تتصاعد وتيرة نموهم وجوعهم في الوقت نفسه. فحسب الأرقام والتقديرات، وصل تعداد سكان الأرض إلى سبعة مليارات نسمة، ومن المتوقع أن يتزايد السكان بوتيرة 77 مليون كل سنة، بمعنى إضافة بلد بحجم إندونيسيا إلى العالم كل ثلاث سنوات لنكون قد وصلنا بحلول عام 2025 إلى 9 مليارات نسمة يعيشون على كوكب الأرض. وفي خضم هذا العدد الهائل من السكان ما زال 850 مليون منهم يذهبون إلى النوم كل ليلة وهم جياع، فيما يعاني مليار شخص إضافي حول العالم من افتقار وجباتهم إلى عناصر مفيدة للجسم. وبالطبع تعد هذه الأرقام العالية غير مقبولة وصادمة، كما أنها وصمة على جبين الإنسانية تلطخ الضمير المشترك. والأكثر من ذلك تحمل تلك الأرقام الصادمة عن عدد السكان ونقص الغذاء، تداعيات خطيرة على الفقراء، فضلا عن نتائجها السلبية بالنسبة للإنتاج الاقتصادي والكلفة الكبيرة على الأنظمة الصحية.
وللتخفيف مما ينتظر العالم في ظل الارتفاع المتزايد لعدد السكان والحاجة المتصاعدة للغذاء، لابد من التفكير في سبل وآليات إنتاج الغذاء بوتيرة أعلى وأسرع، لاسيما وأن الأرقام تشير إلى ضرورة رفع الإنتاج الغذائي بنسبة 70 في المئة بحلول 2050. ويكمن التحدي الأساسي الذي يواجه هذا الهدف في الضغط الذي تعاني منه الأرض فيما يتعلق بموارد المياه، علماً بأن الزيادة في عدد السكان ستتركز بالأساس في المناطق التي تعاني أكثر من الضغوط المناخية وغيرها، بحيث تتوقع الأمم المتحدة أن تتوزع الزيادة في عدد السكان على بلدان مثل الصين والهند ونيجيريا، لتصبح أكبر الدول من حيث الكثافة السكانية خلال 2050.
وإذا أدرجنا المخاطر التي تنتظر المناخ العالمي، فإن الأمور تزداد تعقيداً، فالقطاع الفلاحي يستهلك لوحده 70 في المئة من الموارد المائية على الصعيد العالمي، وهو مسؤول أيضاً عن 30 في المئة من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وبدوره سيؤدي التغير المناخي إلى تراجع المحاصيل الزراعية في بعض المناطق بحوالي 20 في المئة. وهنا تحضرنا نماذج مثل الفيضانات في تايلاند، وموجات الجفاف المتوالية في القرن الإفريقي... هذا بالإضافة إلى ما يسببه تغير درجات الحرارة من تقلبات أسعار الغذاء بتداعياتها السلبية على الفقراء حول العالم. وأمام هذا الوضع العالمي المتأزم تواجه الزراعة تحديين أساسيين؛ الأول يتعلق بسبل رفع الإنتاج بطريقة مستدامة فيما يرتبط الثاني بعدم الإضرار بالبيئة مع الاعتماد على موارد شحيحة وإطعام أعداد كبيرة من البشر. لذا نعتقد أنه لكي نوفر الغذاء بطريقة مستدامة لعدد أكبر من سكان الأرض لابد من تظافر جهود كافة المتدخلين واشتراك جميع المعنيين دون استثناء، سواء تعلق الأمر بالحكومات، أو المنظمات الأهلية، أو حتى القطاع الخاص. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى بعض الخطوات الإيجابية التي تحققت في السنوات القليلة الماضية، مثل ارتقاء موضوع الأمن الغذائي إلى قمة الأولويات السياسية لدى مجموعة دول الثمانية، ومجموعة العشرين، فضلا عن تصدرها أجندة النقاش في مؤتمر الأمم المتحدة حول التنمية المستدامة الذي سيعقد خلال الأسبوع الجاري بالبرازيل.
ونحن أيضاً باعتبارنا أعضاء في فريق العمل المعني بالأمن الغذائي قمنا بتعبئة مجموعة من رجال الأعمال ومدراء الشركات للانخراط في التفكير وطرح توصيات عملية للنهوض بالإنتاج الغذائي المستدام. وفي هذا السياق طرحنا مجموعة من التوصيات التي من شأنها تشجيع الحكومات على برامج للأمن الغذائي تساعدها في ذلك شراكات مع القطاع الخاص، والأهم أن الشركات أبدت استعداداً للمشاركة من خلال استثمار 15 مليار دولار لرفع الإنتاج الغذائي بنسبة 50 في المئة بحلول 2030، كما وضعنا أيدينا على خمسة محاور أساسية يتعين الاهتمام بها؛ تتمثل في زيادة الاستثمارات في مجال الإنتاج الغذائي والزراعي، وتحسين وظيفة السوق، والتركيز على الاستدامة في إنتاج الغذاء أخذاً بعين الاعتبار الموارد المائية المحدودة، ثم تسريع الاستفادة من التكنولوجيا وتسخيرها في عملية الإنتاج، وأخيراً إدماج محور الحاجيات الغذائية المفيدة للجسم وإعطائها الأولوية في عملية الإنتاج الغذائي. ولو تحققت هذه الأهداف فإننا سنصل إلى القصد والغاية المتمثلين في توفير الغذاء الصحي والمفيد للأعداد المتزايدة من السكان وفي نفس الوقت احترام التوازن البيئي وعدم الإخلال به، هذا مع الاهتمام بتحسين الظروف المعيشية للمزارعين الذين سيكون عليهم مضاعفة إنتاجهم السنوي مرتين.
ولأن النساء يشكلن نسبة 43 في المئة من مزارعي العالم، فلابد من استهدافهن ببرامج خاصة تعينهن على رفع الإنتاج وحماية حقوقهن. ولأن الأرقام تشير إلى إهدار 40 في المئة من المحصول الزراعي أثناء نقله من الحقل إلى المستهلك، فإنه يتعين علينا ضبط طرق نقل المحصول والتحكم في آليات وصوله إلى السوق، مع الاهتمام أكثر بجودة التخزين حفاظاً على المواد المغذية المفيدة لجسم الإنسان وصحته.
---------
بول بولمان ودانيا سيرفجيتي
كاتبان متخصصان في قضايا الأمن الغذائي
----------
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيج نيوز سيرفس"