النسر البولندي... ضحية الحرب
كانت بولندا أول بلد يتعرض لغزو ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وآخر بلد يتحرر من ربقتها، لكن ليدخل تحت السيطرة السوفييتية. وبولندا هي أيضاً البلد الذي عانى أكثر من غيره خلال مجريات الحرب، وذاق ويلات لم يذقها بلد آخر. تلك المعاناة التي تراوحت بين النازية والشيوعية وخذلان القوى الغربية وتدمير بولندا، توثقها المؤرخة البريطانية "هاليك كوشانسكي" في كتابها الذي نعرضه هنا بعنوان "النسر الشامخ... بولندا والبولنديون في الحرب العالمية الثانية"، والذي تحاول فيه تقديم صورة عن حجم المعاناة التي قاساها البولنديون، سواء على أيدي النازيين الذين كانوا أول من دخل بولندا وتعاملوا مع سكانها كجنس غير آدمي، حيث قتلوا منهم الآلاف وهجر جزء كبير منهم إلى ألمانيا للعمل في الأراضي الزراعية، فيما جُند البعض ممن اعتنقوا النازية في فرق الموت، أما القسم الشرقي من البلاد فوقع فريسة للجيوش السوفييتية الزاحفة التي هجرت بدورها آلاف البولنديين إلى سيبيريا. ثم كانت المجزرة التي ارتكبتها القوات السوفييتية بقتلها أكثر من 14 ألف ضابط بولندي كانوا ضمن قوات المقاومة للاحتلال النازي في إحدى الغابات، وهي عملية ما زالت تسمم العلاقات الروسية البولندية حتى اليوم.
وتوضح الكاتبة أن مصير البولنديين كان قاسياً بعد حرب التحرير من النازية، إذ رغم انحيازهم للحلفاء ومحاربتهم إلى جانب القوات البريطانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، انتهت الحرب بتخلي القوى الغربية عن بولندا وسقوطها فريسة للحكم الشيوعي القاسي.
كان البولنديون يخوضون حربهم في أكثر من جبهة موزعين بين المعارك في شرق البلاد ضد الاتحاد السوفييتي، والحرب السرية ضد الاحتلال النازي، وأخيراً الصراع السياسي الذي كان محتدماً في لندن، مقر حكومة المنفى.
ولم يكن الوضع مختلفاً على الصعيد العسكري، إذ حارب البولنديون على أكثر من جبهة وسقط جنودهم في معارك مختلفة، حيث قاتل من فروا منهم من هزيمة 1939 أمام الجيش الألماني إلى جانب بريطانيا، وكان لهم دور كبير في تحرير هولندا، وجزء ثان تشكل من البولنديين المهجرين إلى الاتحاد السوفييتي الذين أنقذهم هتلر بعد توغله شرقاً داخل الأراضي السوفييتية، عندما طلب تشرتشل في بداية الحرب تحرير هؤلاء، وقد أرسلوا للقتال في إيطاليا في صفوف النازية، والجزء الثالث حارب إلى جانب الاتحاد السوفييتي تحت قيادة بولندية اعتنقت الشيوعية وآمنت بها، وهي قوات كانت ضمن الجيش السوفييتي، عندما دخل برلين في نهاية الحرب.
أما الجبهة الربعة التي قاتل فيها البولنديون فكانت داخل البلاد، حيث انتظم آلاف منهم في خلايا المقاومة السرية لمحاربة النازية، لكنه تعرض للتدمير على أيدي السوفييت الذين دخلوا لاحقاً إلى بولندا.
وبالنسبة للذين قرروا البقاء في بولندا فقد عانَوا الأمرّين على يد الاحتلال السوفييتي للجزء الشرقي من البلاد، حيث سمح السوفييت للأغلبيات العرقية الأخرى، لاسيما الأوكرانية والبيلاروسية بالتعامل مع البولنديين كأنهم من البورجوازية التي يجب محاربتها وفقاً للأيديولوجية الماركسية، فقاموا باضطهادهم، كما فُرضت الشيوعية بالقوة ومُنحت الجنسية السوفييتية قسراً للبولنديين.
أما في الجزء الغربي، حيث ظلت النازية مسيطرة، فقد تحولت الأراضي البولندية إلى معسكرات لاعتقال اليهود وتصفيتهم، وجند العديد من سكان البلاد لإنجاز الأعمال القذرة للنازية. هذه الأخيرة أيضاً تورطت في عمليات خطف الأطفال البولنديين ممن يشبهون الجنس الآري وأرسلتهم للتبني في أسر ألمانية، ولم يستطع سوى عدد قليل منهم العودة بعد الحرب العالمية الثانية.
والمفارقة التي انتهت بها الحرب، تقول الكاتبة، إن بولندا التي فقدت خمس سكانها بسبب القتل الممنهج الذي تعرضوا له وعمليات التهجير الواسعة إلى سيبريا، فضلاً عن مقاومتها الشرسة للنازية وتمكسها بالقومية البولندية التي حاولت ألمانيا كسرها وفشلت، وسعى الاتحاد السوفييتي لإخمادها وأخفق، خرجت من احتلال إلى آخر، ولم تستطع ربح رهان التحرر حتى بعدما انهزمت النازية، حيث سقطت في براثن الاتحاد السوفييتي، بعدما أدار لها الغرب ظهره وتركها لمصيرها القاتم، لتعاود الظهور مرة أخرى بعد نضالات مريرة ضد الشيوعية لتستطيع بفضل صلابة شعبها البروز، كما يوضح عنوان الكتاب كنسر شامخ أو كقصة نجاح أوروبية.
زهير الكساب
الكتاب: النسر الشامخ... بولندا والبولنديون في الحرب العالمية الثانية
المؤلفة: هاليك كوشانسكي
الناشر: آلن لين
تاريخ النشر: 2012