يتفق حزبا إسرائيل الرئيسيان الليكود والعمل على كثير من القضايا بالأخص الانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة وتفكيك بعض المستعمرات/"المستوطنات" النائية في الضفة الغربية. وأصبحت نقاط الاتفاق بينهما أكثر من نقاط الخلاف. ويحبذ القادة في الحزبين تشكيل "حكومة وحدة وطنية" لتسهيل عملية الانسحاب ومواجهة المعارضة الشديدة المحتملة لهذه الخطة من قبل اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي هدد باللجوء إلى العنف لمنع هذا الانسحاب. ولكي نفهم توجهات حزب العمل الحالية والمستقبلية لا بأس من إلقاء الضوء على نشأته ومواقفه وتحالفاته المتعاقبة مع الليكود وصولا إلى اللحظة الراهنة.
جاء "حزب العمل الإسرائيلي" بمثابة امتداد للحزب الروسي الصهيوني الاشتراكي "عمال صهيون" متخذا اسمه الأول: "حزب عمال أرض إسرائيل" وذلك في العام 1930. وفي العشرينات من القرن الماضي، أسست حركة "العامل الصهيوني – الاتحاد العام للعمال اليهود" التي اشتهرت لاحقا باسم "الهستدروت" التي تولت حركة الاستعمار/ "الاستيطان" الصهيونية لأرض فلسطين والمباشرة بإرساء البنية التحتية للدولة التي كانوا يحلمون بإقامتها في فلسطين. ولاحقا، تغير اسم الحزب إلى "حزب ماباي" الذي تأسس من قبل حركتي "هاشومير والهاغاناه" وهما أول مجموعتين مسلحتين صهيونيتين شكلتا نواة الجيش الإسرائيلي لاحقا. وكان الهدف من إنشاء هاتين المجموعتين حراسة المستعمرات/ "المستوطنات" الزراعية التي بدأ المستعمرون الأوائل في بنائها على أرض فلسطين التاريخية. وفي أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، صعد نجم دافيد بن غوريون الذي تولى رئاسة حزب "الماباي" لحوالي عقدين من الزمان قبل أن يتقاعد في مزرعته بالنقب. وفي عهده، صعد حزب ماباي إلى واجهة العمل السياسي في إسرائيل بعد أن تمكن، نتيجة لظروف إقليمية ودولية مواتية، من إعلان "استقلال دولة إسرائيل" في العام 1948 وانتخب كأول رئيس وزراء لها.
بعد إعلان "الاستقلال"، انهمك بن غوريون في بناء الدولة وحل جميع التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية ودمجها معا فيما أصبح يعرف لاحقا باسم "جيش الدفاع الإسرائيلي". كما انهمك الحزب في نشاط محموم لبناء عشرات المستعمرات الصهيونية لاستيعاب عشرات الآلاف من المستعمرين اليهود الذين تدفقوا على البلاد في السنوات الأولى التي تبعت "إعلان الاستقلال". وفي العام 1971، اندمج حزب "ماباي" مع عدة أحزاب عمالية صهيونية أخرى واتخذ لنفسه تسمية جديدة هي "تجمع المعراخ" ومن ثم اتخذ لاحقا اسم "حزب العمل الإسرائيلي" وهذا هو اسمه الرسمي لتاريخه. وفي هذا السياق، يجدر التنويه بأن الأحزاب العمالية بمختلف مسمياتها حكمت "إسرائيل" بصورة متواصلة منذ تأسست الدولة في العام 1948 وحتى العام 1977 عندما استقال اسحق رابين من رئاسة الوزراء وفاز في الانتخابات التالية مناحيم بيغن ليتولى رئاسة أول حكومة إسرائيلية يقودها اليمين الصهيوني. وكي لا يساء الفهم، لا مناص من الإشارة إلى "تميز" حزب العمل بمواقف متشددة في مواضيع "الأمن" و"الدفاع" طوال سنوات حكمه. ففي عهده، خاضت إسرائيل ثلاث حروب ضد العرب أولها حملة سيناء (العدوان الثلاثي بالاشتراك مع بريطانية وفرنسة) في العام 1956، ثم "حرب الأيام الستة" في العام 1967، و"حرب يوم الغفران" (حرب رمضان) في العام 1973. وفي الحقبة الأخيرة، أصبح حزب العمل الإسرائيلي من أحزاب الوسط ولم يعد يعتبر حزبا اشتراكيا مع انه لا يزال يحتفظ بعضويته في رابطة الأحزاب الاشتراكية الدولية. ومع أن القضايا الاقتصادية في إسرائيل نادرا ما تحظى بمناقشات حامية بين مختلف الأحزاب، فإن السياسة الاقتصادية لكلا الحزبين لا تختلف كثيرا في الجوهر وإن كان حزب الليكود أكثر ميلا إلى الليبرالية الاقتصادية.
خلال ثمانينيات القرن الماضي، شكل حزب العمل حكومة "وحدة وطنية" مع حزب الليكود استمرت حتى العام 1988 عندما انهارت الحكومة على خلفية الخلاف بين شمعون بيريز زعيم حزب العمل وأرييه درعي زعيم حزب شاس. وفي العام 1992، فاز حزب العمل بالانتخابات وشكل اسحق رابين الحكومة. وخلال فترة حكمه، قاد رابين "عملية السلام" مع الفلسطينيين التي انتهت كما هو معروف بتوقيع اتفاقيات أوسلو التي لم يبق منها الآن إلا الاسم. كذلك، وقع رابين "اتفاقية وادي عربة" (أي اتفاقية السلام) مع الأردن. وكما هو متوقع، عارض اليمين الإسرائيلي اتجاهات رابين السلمية مع الفلسطينيين وانتهى الأمر باغتياله على يدي متطرف يهودي اسمه ييغال عمير. إثر ذلك، خلف شمعون بيريز رئيس الوزراء رابين حتى العام 1996 حيث خسر الانتخابات أمام مرشح اليمين بنيامين نتنياهو. وفي العام 1999 هزم إيهود باراك شمعون بيريز وأصبح رئيسا لحزب العمل وتم ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء. وسعيا وراء كسب الانتخابات، شكل باراك كتلة "إسرائيل واحدة" مع حزب غيشر (الجسر) الذي يرأسه دافيد ليفي وحزب صهيوني ديني آخر (ميحاد). وللاعتبارات ذاتها، ركز باراك على القضايا الاجتماعية والاقتصادية في حملته الانتخابية حيث استطاع


