اعتقل الشاب ياسين الحاج صالح من كلية الطب في جامعة حلب، فتنقل بين سجن حلب المركزي ومعتقل عذرا في دمشق مدة خمسة عشر عاماً، قبل ترحيله إلى سجن تدمر الرهيب، والذي لا تنفتح أبوابه إلا لتلقي الطعام أو العقاب. إنها قصة ياسين الحاج صالح، مؤلف كتاب «بالخلاص يا شباب... 16 عاماً في السجون السورية»، والذي حرص في المقدمة على نفي الطابع الأدبي عنه، وإن كان ذلك يضعه في موضع قلق، فلا هو مندرج مرتاحاً في خانة «أدب السجون»، ولا هو بحث اجتماعي، ولا هو سيرة ذاتية لسجين، ولا هو وثيقة سياسية أو حقوقية... لكنه سرد يكتسب بُعداً أدبياً وفكرياً شائقاً، يلمُ بأطراف من «الطفولة الثانية» للمؤلف، وهي سجنه. يقول الكاتب إنه كغيره من السوريين ينفر من استعادة وقائع السنوات المجنونة بين أواخر سبعينيات القرن العشرين ونهايته، كمن يتجنب رؤية جثة مشنوق تتدلى في مكان عام... «لكننا أهل القتيل، والجثة جثتنا، ولا مفر من تعرفنا إليها وغسلها وإكرامها بالدفن». لذلك نجده يحاول استعادة انطباعه الأول عن جناح السياسيين في سجن حلب المركزي. «قادنا رئيس المفرزة عبر رواق الجناح إلى المهجع رقم 9 حيث وُضع الشيوعيون... بينما كانت المهاجع من 4 إلى 8 مسكونة بمعتقلي الإخوان المسلمين... من المهاجع التي تنفصل عن الرواق بشبك حديدي متباعد القضبان، يطل علينا بعيون مترقبة أشخاص توحي ملامحهم بالانقطاع عن العالم... تبدو جدران المهاجع مرقعة كالخيم، مكتظة بما علق من ثياب وأمتعة، يبدو لون الكل ناصلا، ماحلا، ومثله لون الأشخاص». ثم يقول عن «جناح السياسيين» إنه كان «مجموعة أقفاص مرصوفة بعضها جنب بعض، يفترض أن تعزل وحوشاً خطرة». وبعد عشر سنوات من الإقامة في سجن حلب، لم يعد المكان غريباً على المؤلف، بل أصبح بيته وصار جزءاً منه. أما في سجن تدمر الذي جرى تحويل الرافضين مبايعة الأسد إليه، فلم ينشأ مثل هذه الشعور لدى الكاتب. فقد كاد قلبه يتقطع رعباً ذات مرة، وهو يرى «حضرة الرقيب أول» واقفاً على «الشراقة» فوق مهجعه، إذ تصادف ذلك مع لفتة منه إلى السماء فوقه، مرتكباً إحدى الكبائر في سجن تدمر. فرفْع الرأس مباح، بل واجب، في حالة واحدة: «حين يجري صفع أحدنا على وجهه». فقد كان سجن تدمر يعاقب بقسوة لا نهائية على رؤية الوجوه وتسمية الأسماء! ورغم ذلك، يفاجئنا المؤلف بالقول إنه استطاع ترويض «أشباح السجن»، إذ انفصل عنه انفصالا عميقاً إلى درجة أنه غدا موضوعاً يتذكره دون انفعال قوي. وقد يكون لانخراطه شبه الفوري في حياة ما بعد السجن دور في ذلك، فضلا عن حرصه الواعي على ألا يكون مجرد سجين سابق. وإن كانت نصوص الكتاب تحيل في مجملها إلى السجن، فهي ليست كلها عنه. بعضها يصف وجوهاً من تجربة المؤلف كسجين سياسي في «سوريا الأسد» بين عامي 1980 و1996، وبعض آخر منها يسترجع السجن كتجربة مُتذَكَّرَة، فيما يتناول بعض ثالث جوانب من أوضاع السجناء السياسيين السابقين في سوريا. ولعل أهم ما يوحد هذه النصوص هو سعيها لنزع السحر عن السجن وتقويض أسطورة السجين السياسي. لذلك يعقد المؤلف فصلا خاصاً يتناول «عوالم المعتقلين السياسيين السابقين في سوريا»، قائلاً إنهم يتكلمون كثيراً عن اعتقالهم والتحقيق معهم وحبسهم... لكنهم لا يكادون يمنحون اهتماماً لتناول شروط حياتهم بعد السجن. وفيما يخص السجناء الذين يشبهونه فكرياً وسياسياً وجيلياً، أي «عالم الشيوعيين السابقين الذين اعتقلوا في الثمانينيات»، فهؤلاء يشكلون «مجتمعاً»، أي شبكة تفاعلات داخلية تتيح لجميع المنخرطين فيها الاشتراك في خبرات سابقيهم ومعلوماتهم، وتمد القادمين الجدد (المفرج عنهم) بالدعم الاجتماعي والمعنوي الضروري. ويعود تمايز السجناء اليساريين في هذه النقطة، حسب المؤلف، إلى عاملين؛ كونهم يتمتعون بدرجة أكبر من الأمان قياساً إلى المعتقلين الإسلاميين أو معتقلي «بعث» العراق، وكون كثير منهم مشاركين نشطين في الحياة العامة، ككتاب ومترجمين وناشطين حقوقيين وسياسيين... الأمر الذي يمنحهم بعض الحصانة ويوسع شبكات علاقاتهم. ويعترف الكاتب بأن الزمن الحالي، زمن الثورة السورية، ليس ملائماً لنشر مثل هذا الكتاب، إذ كان في مطلع شبابه حين سُجن في سياق أزمة وطنية، كانت مقاومة الطغيان الحاكم وجهاً مهماً لها. وهناك اليوم أزمة وطنية كبرى، وجيل جديد يكافح في مواجهة الطغيان نفسه. لكن خلافاً لشباب التمرد القديم، لا يبدو أن شباب التمرد الجديد سينتظرون سنين طويلة حتى ينشروا تجاربهم، بل هم يدونونها وينشرونها أولاً بأول. محمد ولد المنى ------- الكتاب: بالخلاص يا شباب... 16 عاماً في السجون السورية المؤلف: ياسين الحاج صالح الناشر: دار الساقي تاريخ النشر: 2013