تقسم رحلة حياة الإنسان إلى مراحل اعتبارية، غير محددة بشكل قطعي، تبدأ بالرضاعة والطفولة، مروراً بسنوات المراهقة، ثم عنفوان الشباب، ثم مرحلة منتصف العمر، وربيع العمر، ومن بعده خريف العمر، أو الشيخوخة والهِرم. وإنْ كان من المنظور الطبي، تعتبر الأمور أبسط وأوضح، حيث تقسم حياة الشخص إلى أربعة أقسام رئيسية؛ هي الطفولة، والمراهقة، والشباب، والشيخوخة. وإذ خصصنا المراهقة بالحديث، فسنجد أنها تبدأ مع دخول الطفل إلى مرحلة البلوغ الجنسي، وهو السن الذي يختلف بين الذكور والإناث، وبين طفل وآخر، لتنتهي مع وصوله إلى حد المسؤولية القانونية الكاملة، والتي غالباً ما تكون مع بلوغه عامه الثامن عشر. ويُقدر أن واحداً من كل ستة من أفراد الجنس البشري يمر بمرحلة المراهقة حالياً، وهو ما يُترجم إلى 1,2 مليار مراهق، بين سن العاشرة والتاسعة عشرة. ومثلها مثل مراحل العمر الأخرى، تتميز فترة المراهقة بتحديات صحية خاصة، قد تكون ناتجة عن اضطرابات واختلالات خلال مراحل الحمل، والرضاعة، والطفولة، كما أن صداها وتأثيرها قد يمتد إلى مراحل العمر اللاحقة، وصولاً إلى الشيخوخة ونهاية العمر. هذه الخصوصية الطبية لمرحلة المراهقة، أدت إلى ظهور مجال طبي متخصص، يعرف بصحة المراهقين، يتضمن باقة متنوعة من الأساليب والوسائل الهادفة إلى منع، وتشخيص، وعلاج، الأمراض والاضطرابات التي تصيب المراهقين، خصوصاً أن هذه الأمراض والاضطرابات غالباً ما تكون معقدة ومركبة، تتطلب استراتيجيات متعددة الجوانب؛ بيولوجية، ونفسية، واجتماعية. ومن خلال مراجعة بعض البيانات والإحصائيات، يمكن بسهولة إدراك طبيعة المشاكل الصحية والطبية التي تواجهها هذه الفئة العمرية، وفداحة تأثيراتها الاقتصادية والإنسانية. فبداية، يلقى 1,3 مليون مراهق حتفهم سنوياً، نتيجة أسباب كان من الممكن تجنبها، أو بسبب أمراض واضطرابات كان من الممكن علاجها. وتأتي حوادث الطرق على رأس قائمة أسباب الوفيات بين المراهقين، حيث يُقدر أن 120 ألف مراهق يلقون حتفهم سنوياً، أو 330 في اليوم -وكل يوم- بسبب حوادث الطرق، كما يعتبر الغرق من الأسباب الرئيسية لوفيات المراهقين، حيث لقي 60 ألف مراهق -ثلثيهم من الذكور- حتفهم غرقاً خلال عام 2012 فقط. وبخلاف الوفيات، والعاهات المستديمة، تشمل المشاكل الصحية للمراهقين طائفة متنوعة من الأمراض والاضطرابات، التي كثيراً ما تتحول إلى اعتلالات مزمنة، تصاحبهم مدى الحياة. فعلى سبيل المثال، نجد أن العديد من الذكور والإناث في الدول النامية، يدخلون مرحلة المراهقة تحت مظلة من سوء التغذية من نوع نقص التغذية، ما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، خصوصاً الأمراض المعدية، ومن ثم الوفاة المبكرة. وعلى العكس من ذلك، نجد أن عدداً متزايداً باطراد من المراهقين –في الدول النامية والغنية على حد سواء- يعانون النوع الآخر من سوء التغذية، والمعروف بفرط التغذية، وما يؤدي إليه من زيادة في الوزن وسمنة مفرطة، ينتج عنهما بالتبعية كتالوج من الأمراض المزمنة، مثل داء السكري، وأمراض القلب والشرايين، وحتى بعض أنواع الأمراض السرطانية، وغيرهم. وبخلاف الأمراض العضوية، والاضطرابات البيولوجية، تتبوأ الأمراض النفسية، والاضطرابات العقلية، مكانة مهمة في مجال صحة المراهقين، خصوصاً في ظل الدراسات التي تُظهر أن نصف الأمراض النفسية والاضطرابات العقلية التي تشخص في البالغين، بدأت في الحقيقة في سنوات المراهقة، وبالتحديد قبل سن الرابعة عشرة. ومن بين هذه الأمراض والاضطرابات غير العضوية، يحتل الاكتئاب موقعاً متميزاً، على صعيد مدى انتشاره بين المراهقين، ومن جانب استمراره كمشكلة صحية خلال سنوات العمر اللاحقة، وتسببه في قدر لا يستهان به من الإعاقة إذا كان مزمناً أو متكرراً بشكل دائم، أو كونه يؤدي للانتحار في الحالات الشديدة. وتتميز الحالة النفسية المصاحبة للاكتئاب بانخفاض الطاقة النفسية والروح المعنوية والكره والنفور من النشاطات البدنية والذهنية والاجتماعية، بدرجة تؤثر سلباً على الأفكار، وعلى السلوك، والصحة النفسية والبدنية للمصاب. وتندرج مجموعة أخرى من الأمراض والاضطرابات التي تصيب المراهقين تحت ما يعرف بالمشاكل الاجتماعية-الصحية، مثل تدخين منتجات التبغ، وإدمان المخدرات بأنواعها المختلفة، وشرب الكحوليات، وحمل المراهقات، والإصابة بالأمراض الجنسية. ورغم أن هذه المشاكل لا تتوزع أو تنتشر بالتساوي بين دول العالم المختلفة، فإن العقود والسنوات القليلة الماضية -خصوصاً في ظل ظاهرة العولمة الحالية- قد شهدت تزايداً متسارعاً في معدلات انتشار هذه المشاكل الصحية بين دول ومجتمعات، كانت قد نأيت بمراهقيها وشبابها عنها حتى وقت قريب. ويظهر هذا العرض السريع –والمختصر بقدر كبير- لطبيعة المشاكل الطبية الخاصة بالمراهقين، ضرورة الوعي بالخصوصية الصحية لأفراد هذه الطائفة العمرية، ومن ثم وضع السياسات، واتخاذ الإجراءات، وتوفير المصادر المالية والبشرية، القادرة على مواجهتها في مراحلها المبكرة، كونها تزيد من العبء المرضي والاقتصادي على المجتمع برمته، وتفقده جزءاً لا يستهان به من مستقبله المتجسد في مراهقيه وشبابه، والذين إما أن يفقدوا حياتهم، أو أن يصابوا بإعاقات جسدية ونفسية تلازمهم بقية العمر.