الإمارات.. إنجازات وسط التحديات
على الرغم من أن مياه الخليج العربي تمضي بين ضفتيه هادئة وادعة، فإن واقع منطقة الخليج ليس كذلك على الإطلاق، فهو لا يعرف سكينة ولا استقراراً، وتتناوب عليه العواصف والأعاصير والأمواج السياسية الهادرة.
ويعرف من عايشوا البحر وتقلباته أن الإبحار في مثل هذه الأجواء تكتنفه الأخطار وتحف به المخاوف، لكنهم يعرفون أيضاً أن الربان الماهر قادر على أن يروض جماح الطبيعة الغاضبة، إذا توافرت له الخبرة والإرادة والعزيمة، وإذا اتحدت قلوب مساعديه ورجاله وائتلفت النفوس وتآزرت السواعد واتفق الجميع على هدف يشقون العاصفة نحوه بثبات. وهم قادرون حينئذ على العودة بالصيد الوفير، وأندر اللآلئ وأغلاها.
هذا ما علمنا إياه البحر في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهذا ما علمتنا إياه الصحراء بصورة أخرى، وهذه هي التقاليد والقيم التي أصبحت من ركائز فكرنا وممارستنا، وأحد أسرار قوتنا ونجاحاتنا التي تتوالى: إيمان بالقيادة الرشيدة، وثقة عززتها أحداث لا حصر لها بقدرة قادتنا على تمييز الطريق الصحيحة في أصعب الظروف وأعقدها، وتماسك وتعاضد وتآلف لا تعرف الشقاقات أو الخلافات إليه طريقاً.
خلال سنوات لا تكاد تزيد على أصابع اليد الواحدة، واجهنا أحداثاً مزلزلة، من أزمة اقتصادية عصفت بالاقتصادات الكبرى ووصلت بدول متقدمة إلى حد الإفلاس والانهيار؛ مروراً باضطرابات وصراعات اجتاحت دول المنطقة وأشعلت حروباً أهلية مدمرة؛ وانتشار متصاعد لحركات إرهابية تتنافس فيما بينها شراسة ووحشية وتعطشاً إلى الدم؛ وتكاثر جماعات تتخذ من الدين ستاراً لرغبتها في تقويض الدول المستقرة والمجتمعات ووصولها بالفعل إلى السلطة في بعض البلدان على وقع الخراب والفوضى؛ والخطط المعلنة والخفية من القوى الكبرى في العالم لتمزيق أواصر دول المنطقة وإعادة رسم خرائطها، وانفجار الأحقاد العرقية والطائفية واستخدامها من قبل أطراف يرون في مواجهات العقيدة والعرق ما يخدم خططهم ورؤاهم، والحسابات الخاطئة لقوى ودول يطمح بعضها إلى الهيمنة والسيطرة وبعضها إلى نيل مكانة متوهمة، غافلاً عما تجره سلوكياته وممارساته من الشر المستطير عليه هو ذاته قبل الآخرين.
في خضم هذه الأحداث، لا تعرف دولة الإمارات العربية المتحدة غير الإنجاز. لا تعرف قيادتنا الرشيدة ثقافة التبرير أو الذرائعية، بمعنى إلقاء اللوم على الظروف، ولا تركن إلى الحديث عن الصعوبات – وهي كثيرة بالفعل – أو عن المؤامرات والتحديات – وهي هائلة وتحيط بنا من كل مكان – بل تعرف أن واجبها هو مواصلة المسيرة مهما عظمت العوائق وتنوعت الموانع والحواجز.
ومن هنا، فإن الإنجازات المتوالية للدولة خلال السنوات الأخيرة تكتسب قيمة مضاعفة من تحقيقها في ظل ظروف كانت كفيلة بتثبيط همم آخرين، أو إجبارهم على تخفيض سقوف الطموح والتطلعات، والاكتفاء بالحفاظ على ما تحقق بالفعل وهو كثير، لكننا – على العكس من ذلك – شهدنا تصاعد الإنجازات وتواليها يوماً بعد يوم، وكأنما أصبحت التحديات والصعوبات تحفزنا على قهرها والتغلب عليها، لا الضعف أمامها أو الاستسلام لها.
استلزمت السنوات الأخيرة بذل جهود هائلة لمواجهة «الإرهاب المتنكر»، متمثلاً في جماعات ضالة قادتها حساباتها الخاطئة وولاؤها لأطراف وجهات خارجية إلى توهم أن الفرصة سانحة لتشكيل خلايا وتنظيمات تتآمر على الدولة، وأخفت هذه الجماعات إرهابها تحت قناع «الإصلاح» أو التدين المزعوم، لكن يد العدالة طالتها وحاسبتها في محاكمة كانت مثالاً للشفافية والنزاهة.
هذه الجهود لم تنتقص على الإطلاق من مضي التنمية في مساراتها المحددة سلفاً، ومن مواصلة تنفيذ الرؤى والمشروعات وفقاً لما هو مقرر في خطط تم وضعها بناء على دراسات علمية للواقع، بما فيه المتغيرات المحتملة والتحولات التي يمكن أن تطرأ خلال المراحل الزمنية التي تغطيها هذه الخطط. وعلى الرغم من أن بعض التغيرات كان أعنف وأعمق من المتوقع، فقد تم تعويض الفارق بمزيج من قدرة القيادة على تصويب المسارات في الوقت الملائم، ومرونة الحركة وسرعة اتخاذ القرار والاصطفاف الشعبي وراء القيادة الرشيدة في صورة نادرة للولاء بمعناه الإيجابي.
هذا «الولاء الإيجابي» يعني قدرة أبناء الإمارات على ترجمة الثقة بالقيادة وحبها والالتفاف حولها إلى ما هو أكثر من مجرد شعور داخلي أو كلمات تقال. لقد تمت ترجمة الولاء إلى «مسؤولية» و«عمل» و«سلوك» و«جهد إضافي» بذله أبناء الدولة كلٌّ في موقعه، بحيث تضاعف العمل مع وجود العدد نفسه من العاملين، وهذا ما جعل الدولة قادرة على التصدي للتحديات الجديدة والتغلب عليها فيما تمضي كل خططها المقررة سلفاً في طريقها، بل إن المنجزات فاقت ما هو مستهدف في كثير من الحالات.
لقد أصبح مألوفاً لدينا أن نطالع كل صباح أخباراً جديدة عن التفوق الإماراتي عالمياً. وفي هذا الإطار يأتي تحقيق دولة الإمارات مركزاً متقدماً في تقرير التنافسية العالمي عام 2014، هو المركز الثاني عشر، لتقفز سبع مراتب في عام واحد، حيث كانت تحتل المركز التاسع عشر عام 2013. ووفقاً للجداول التفصيلية للتقرير، فقد حققت دولة الإمارات تقدماً في 78 مؤشراً فرعياً من بين 114 مؤشراً يتم قياسها لتحديد موقع الدولة العالمي. وأحرزت الدولة المركز الأول عالمياً في مؤشرات قلة التضخم، وغياب الجريمة المنظمة، وجودة الطرق، كما حلت في المركز الثاني عالمياً في مشتريات الحكومة من التقنيات المتقدمة، وجودة بنيتها التحتية في قطاع الطيران، وفعالية الإنفاق الحكومي، وقلة العقبات التجارية.
في هذا الإطار أيضاً، وبعد أربعة أيام فقط من تقرير التنافسية، يأتي مرسوم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بإنشاء «وكالة الإمارات للفضاء»، ليجسد سعي الدولة إلى اقتحام المجالات التي تجسد التقدم العلمي في أعلى مراحله، وليضاف هذا البرنامج إلى غيره من البرامج والمشروعات الطموحة في مجالات التقنية الحيوية والتقنيات العالية والطاقة المتجددة والصناعات الدقيقة التي تجسد الطموح إلى بناء اقتصاد قائم على توليد الثروة من المعرفة، ومن القدرات الرفيعة للكوادر البشرية عبر التعليم النوعي والتأهيل الرفيع وإطلاق الطاقات الإبداعية للعقل الإنساني.
إن الطموح المرتبط ببرنامج الفضاء الإماراتي، يحمل بعداً رمزياً بتطلع قيادة هذه الدولة وأبنائها إلى الأعلى دائماً.. تطلعهم إلى التحليق بعيداً في سماء الإنجاز أياً كانت صعوبة التحديات.