إن أخلاق الطبقة العليا، "الناس اللي فوق" في معظمها أخلاق النهم. فالحراك الطبقي إلى أعلى بلا حدود، بحيث يصبح الثراء غاية في ذاته. وتتمايز في الطبقة العليا ثلاث طبقات أخرى، عليا دنيا، وعليا متوسطة، وعليا عليا. لا قانون يوقفها، ولا قيمة تروعها إلا (فهل من مزيد). تتحايل على القانون، وتتهرب ضريبيا بل وتساعد النظام السياسي في أزماته الاقتصادية بحيث تصبح السلطة للثروة وليس للقوة. فالثروة قوة. ويتحكم الاقتصاد في السياسة، ويوجه أصحاب رؤوس الأموال رجال السياسة. والتهرب الضريبي يخرق حقوق الدولة وحرمة المال العام. لا فرق بين تهريب الأموال إلى الخارج وإيداعها في الداخل. فرأس المال لا وطن له. لا فرق بين الشرعي واللاشرعي، بين الصحيح والفاسد بل منطق الزيادة.
قيم تلك الطبقة الاستهلاك، ومتع الحياة، والوراثة، والمصاهرة داخل الطبقة حفاظاً على الثروة داخلها. ولا ضير من تعدد الزوجات أو الخليلات من نجوم المجتمع سواء من الوارثات أو من الفنانات. الزواج والطلاق ارتباط وانفصال كعقود الشركات. ولا مانع من مظاهر التدين والتقوى، وبناء المساجد، ودور الأيتام، وموائد الإفطار في رمضان، وتأسيس الجماعات الخيرية، والتستر بالدين حفاظاً على الثروة من الحسد، وتشريعاً داخلياً للنفس بأن الثروة حلال، رزق من الله للخيرين من العباد.
أما أخلاق الطبقة الدنيا "الناس اللي تحت" فإنها تقوم على غريزة حب البقاء. وتتحكم فيها آلياته. وهي تشبه الطبقة العليا بأنها بلا قانون أو نظام ليس من أجل الثراء ولكن من أجل البقاء. لم يعطها النظام شيئاً، فتبادله جحوداً بجحود، وإجحافاً بإجحاف. تسكن في المناطق العشوائية. ولها وسائل معيشتها، وطبيعة علاقاتها الاجتماعية. تفرض فنها الذي يغلب عليه الإيقاع السريع، والكلمات الهابطة. ولها لغتها المالية، ومصطلحاتها الشعبية في الحياة اليومية. لا فرق بين الدين والمخدرات. كلاهما نسيان لهموم الواقع بعد أن غابت هموم الوطن. يكثر فيها الزواج كما يكثر الطلاق نظراً لأنهما بلا تكلفة. وتنتشر الخيانة الزوجية والعلاقات الجنسية الحرة. وتقرن صباياها بكبار السن الأثرياء من خلال المتعهدين، ومقاولي الأنفار، ومكاتب التشغيل. ولها فتواتها كما لها حرافيشها. وتمارس المحرمات الثلاثة: الدين والسلطة والجنس بلا رقيب.
قيمها الاستكانة والرضا والصبر. ولها أمثالها العامية. القضاء والقدر يسيّران كل شيء. والقسمة والنصيب يتحكمان في أرزاق الناس. الرضا بالقليل في الدنيا له ما يعوضه في وفرة الآخرة. سعيدة في وهمها، راضية بحياتها، وتتوكل على الله. وعن طريق وسائل الكسب غير المشروعة مثل تجارة المخدرات والجنس والبضائع المهربة تتمايز الطبقات فيها إلى طبقة دنيا دنيا، ودنيا متوسطة، ودنيا عليا. وتتشبه بالأغنياء وبسلوكياتهم تحقيقاً لحلم لن يتحقق وأمل خادع. يهاجر البعض منهم إلى بلاد النفط ويعودون بسلوكيات العمال المهاجرين.
فإذا ما اندلعت الشرارة هبت وانطلقت إلى الشوارع تأخذ حقوقها بأيديها، تدمر مظاهر الترف في الفنادق الفاخرة والملاهي الليلية والمحلات الكبرى بل وأقسام الشرطة ووسائل المواصلات التي تعاني منها، وترمز للدولة. في رأيها هي هبّة شعبية وفي رأي النظام "انتفاضة حرامية" كما حدث في يناير 1977 ثم في حوادث الأمن المركزي في يناير 1986، وكما هو متوقع في كل لحظة يزداد فيها الضنك، وتضيق سبل العيش، وتطول طوابير الخبز.
أما أخلاقيات الطبقة الوسطى، "عيلة الدوغري" فهي بيت القصيد. وكما قامت أخلاق الطبقة العليا على "النهم"، والطبقة الدنيا على "البقاء" فإن أخلاق الطبقة الوسطى تقوم على "القانون والنظام". هي أخلاق الأمن والاستقرار، وإبقاء الوضع القائم على ما هو عليه. فالطبقة المتوسطة هم رجال الدولة وأجهزة الحكم. وهي مازالت أداة التحديث، وقادرة على البناء والعمران. فمن مصلحتها الاستقرار والنظام ومراعاة القانون حتى تبقى في المناصب. السلطة السياسية لها الأولوية على السلطة الاقتصادية. فالسلطة جاه وقوة أولا قبل أن تكون مالا وثراء. هي أخلاق "الهندام" و"الميري" و"الإتيكيت". و"البروتوكول" أخلاق القواعد والحساب. هي أخلاق الاعتدال دون التطرف نحو أخلاق الطبقة العليا أو أخلاق الطبقة الدنيا. وبقدر ما هي ليبرالية في رؤية العالم إلا أنها تمارس أخلاقاً تقليدية محافظة رعاية للتقاليد، وحفاظاً على الهوية، والتواصل خير من الانقطاع. هي أخلاق "الأفندية" و"الضباط" حفاظاً على الأمن الفكري، ودفاعاً عن الأمن الوطني. هي أخلاق السيف والقلم، المعسكر والجامعة. تبرر سلطة الحكم وتدافع عن أيديولوجية النظام. وقد ينضم إليها رجال الدين الذين يوفرون الشرعية الدينية للنظام كما يوفر المثقفون الشرعية الأيديولوجية.
ومع ذلك هي طبقة انتهازية، تتطلع إلى الصعود إلى الطبقة العليا كما تتطلع الطبقة الدنيا إليها. لذلك تتمايز فيها الطبقات إلى طبقة متوسطة دنيا، ومتوسطة متوسطة، ومتوسطة عليا. وتتسع رقعتها إذ تتلاحم الطبقة المتوسطة الدنيا مع الدني


