وعد الرئيس شيراك في الفترة الأخيرة بأن فرنسا ستلجأ لتمرير الدستور الأوروبي إلى خيار الاستفتاء الشعبي العام، وسيكون ذلك، على الأرجح، خلال النصف الأول من عام 2005 المقبل. لقد اختار رئيس الجمهورية إذاً طريقة الاستفتاء الشعبي العام، بدل تمرير الدستور عن طريق البرلمان. في تلك الأثناء، لم يتأخر الحزب الاشتراكي الفرنسي المعارض، إذ كان قد أعلن أنه بدأ سلسلة مشاورات داخلية، بغية تحديد موقفه النهائي من هذا الاستفتاء العام الذي دعا إليه شيراك. وبسرعة حدد الاشتراكيون موقفهم، وكان إيجابياً مع الدستور بشكل واضح.
لقد قال الاشتراكيون "نعم" لهذا الدستور، وصوتوا على ذلك داخل حزبهم بنسبة جيدة تزيد على 58%، ولم يخلُ ذلك من مفاجأة، بالنسبة للكثير من المراقبين، خاصة أن موقف هذا الحزب كان يعطي الانطباع خلال الشهور الماضية بأنه يتحفظ، إن لم نقل إنه يرفض الدستور الأوروبي لأسباب كثيرة ومتنوعة. ولعل أبرز أسباب تحفظ الاشتراكيين من البداية - مثلهم مثل كثير من الفرنسيين- أن هذا الدستور، وبالصيغة المقترح بها يطرح أسئلة في مقدمتها: ألا تصبح أوروبا ليبرالية، أكثر مما يجب، وأقل اهتماماً بالتزاماتها الاجتماعية إزاء المواطنين، إذا ما تم تمرير هذا الدستور؟ ثم، ألن يزيد ذلك الأحوال سوءاً على سوئها، فيما يتعلق بارتفاع معدلات البطالة، وفيما يخص هروب فرص العمل وتسربها من أوروبا (خاصة من خلال تنامي ظاهرة هروب المصانع إلى الدول التي تتوافر فيها أيدٍ عاملة رخيصة)؟ ويضاف إلى ذلك سؤال آخر لا يقل مرارة: ألم تؤدِّ هذه التوسيعات المتواصلة للاتحاد الأوروبي إلى ذهاب جزء كبير من الحلم الأوروبي، حيث بددت عملياً بشكل كبير فرص قيام أوروبا قوية، دعك من أن تصبح قوة عظمى، وجعلتها مجرد فضاء اقتصادي، وبازار تجاري فضفاض؟ ولا يغيب عن بال الفرنسيين بشكل خاص سؤال آخر: هل ستؤدي هذه التوسيعات -التي يبدو أنه لا نهاية لها- لحدود الاتحاد الأوروبي، إلى تقليل مكانة فرنسا فيه، ونفوذها على بقية أعضائه؟
وعلى أية حال، فإن ناشطي الحزب الاشتراكي الفرنسي كان لديهم أكثر من خيار في التعامل مع الدستور الأوروبي، إلا أنهم كما هو واضح، فضلوا السير في طريق يتوافر أكثر من دافع حزبي لانتهاجه، من منظور الأيديولوجيا، ومن منظور الشرعية الحزبية أيضاً. لذا، لم يشأ مناضلو الحزب خذلان رئيسه الحالي "فرانسوا هولاند" الذي سبق أن عبر عن تأييده لمشروع الدستور. وفي الوقت نفسه يأتي موقفهم الإيجابي منسجماً مع تقاليد الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يصنّف عادة على أنه "موالٍ لأوروبا الموحدة"، وهو موقف لم يسجل على الاشتراكيين أبداً تراجع أو تزحزح عنه، منذ البدايات الأولى للبناء الأوروبي الذي يعود لهم نصيب كبير من الفضل فيه. ألم يقل الزعيم الاشتراكي وقائد الحزب الرئيس الراحل "فرانسوا ميتران" قولته الشهيرة في هذا الشأن:"إن فرنسا هي حاضرنا اليوم، أما أوروبا فهي مستقبلنا غداً"؟
وبالنسبة لزعيم الحزب الاشتراكي "فرانسوا هولاند" يأتي هذا المكسب والدعم الأخيرين لمواقفه لتعزيز ما تمكن من تحقيقه من مكاسب خلال الانتخابات الجهوية، والأوروبية، اللتين شهدتهما سنة 2004 الجارية. ففضلاً عن تقوية موقفه ككاتب عام للحزب، يأتي التطور الأخير ليضيف إلى مكانة "هولاند" المعنوية الكثير. ومع أنه لا ينظر إليه حتى الآن كمرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية (مثلما هو حال زعماء آخرين مثل "لوران فابيوس" و"دومينيك شتراوس كان" بات ترشحهم شبه محسوم)، إلا أن "هولاند"، بحكم الواقع الآن، مع ذلك، أصبح، منطقياً، هو المرشح الطبيعي للحزب الاشتراكي الفرنسي لرئاسيات 2007.
والرسالة التي أراد الاشتراكيون الفرنسيون إيصالها هي أنهم ما زالوا على موقفهم التقليدي من المسيرة الأوروبية. ومن المعروف عن الحزب الاشتراكي أنه كان دائماً إيجابياً طيلة كل المراحل والخطوات المصيرية من البناء الأوروبي، والجميع يتذكر الآن الموقف الذي اتخذه سنة 1983، حين طالب غلاة يساريي الحزب الرئيس "ميتران" بقطع الصلة مع مسيرة الوحدة الأوروبية، وكانت حجتهم في ذلك أن فرنسا تستطيع مواصلة مسيرتها لوحدها دون أن تعوقها التزامات المجموعة الأوروبية التي يعتبرونها على حساب حرية مسار بلادهم.
والحقيقة أن كل الأحزاب الاشتراكية الأوروبية - باستثناء الحزب الاشتراكي المالطي- ليست سلبية، كما يزعم البعض، في مواقفها من الخيار الأوروبي الموحد، حتى لو بدا ذلك مبرراً، لمن يذهبون إلى هذا الاعتقاد الخاطئ في التحليل، بكون اليسار بصفة عامة، لا يريد المضي إلى ما لا نهاية في السياسات النيوليبرالية الأوروبية. غير أنه يلزمنا القول أيضاً إن إيجابية الأحزاب الاشتراكية الأوروبية إزاء الاتحاد ليست أيضاً حباً من طرف واحد ولا مجانياً، وإنما على العكس من ذلك لأن هذا هو خيار الحكمة، وضمان أمن أوروبا في عالم مضطرب، وبيئة عالمية باتت يوماً بعد يوم فريسة لتهديدات لا حصر لها ولا عد، يأتي بالطبع في مقدمتها تهديدان تُنسي خطورة كل واحد م