أثار شبح التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، والخوف من أن يكون الكرملين قد شكل الطريقة التي يفكر ويصوت بها الأميركيون، أثار الحياة السياسية في الولايات المتحدة على مدى الـ18 شهراً الماضية، وعلى نحو مفهوم، شعر الذين يدركون أهمية حصانة العمليات الانتخابية بالجزع بسبب الأدلة التي تشير إلى وجود تلاعب أجنبي، لكن مستوى القلق المحيط بتدخل الكرملين يهدد بتجاوز الهدف المباشر من القلق، وربما تلقي حادثة وقعت في بداية الحرب الباردة، ولا يكاد يتذكرها أحد، بالضوء على الجزع الذي يشعر به الأميركيون اليوم، فالأميركيون لديهم تاريخ طويل جداً من الخوف من التخريب الأجنبي عن طريق التلاعب بالعقول. ففي أوائل الخمسينيات، زادت هذه المخاوف مع أسر نحو 7000 أسير أميركي خلال الحرب الكورية، وعندما سجل عدد من الطيارين الأميركيين المأسورين بيانات زاعمين أنهم تورطوا في حرب جرثومية، شعر الكثير من الأميركيين بالجزع. ولأنها كانت مهيأة بعد عرض التجارب الأخيرة في أوروبا الشرقية التي تم إضفاء الصبغة السوفييتية عليها حديثاً، التي أظهرت متهمين مثل الكاردينال المجري «جوزيف ميندزنتي»، وهو يردد اعترافات بارتكاب تهم ملفقة وهو في حالة تشبه الغيبوبة، فقد اعتبرت الجماهير الأميركية هذه الاعترافات دليلاً أكبر على الانتصار الشيوعي الجديد: كان العلماء خلف الستار الحديدي قد طوروا تقنيات يمكنها أن تمحو العقل وتعيد تشكيل السلوك، وسرعان ما اكتسبت عمليات التآكل العقلي اسماً مستعاراً جديداً ومثيراً للقلق: «غسيل الدماغ». وقد كافح المعلقون الأميركيون لمعرفة كيف يمكن غسيل الدماغ، أو ما إذا كان يمكن عكس دورة غسيل المخ، واعتقد البعض بإمكانية استخدام التنويم المغناطيسي أو العقاقير التي لديها تأثير نفسي لإحداث حالة تشبه الغيبوبة للسجناء الأميركيين، واقترح آخرون أن الشيوعيين الصينيين والكوريين الشماليين، الذين تدربوا على أيدي أقرانهم السوفييت، قد طبقوا تجارب بافلوفية (نسبة إلى إيفان بافلوف) لضبط ردود فعل أسراهم، ومكافأة السلوك المتواطئ مع معاقبة الانحراف، وسواء أكان أسرى الحرب الذين تعرضوا لغسيل الدماغ متحولين أيديولوجياً أم مجرد كيانات مطيعة ومنضبطة بفعل العقاب البدني، تظل هذه المسألة موضع نزاع بين المراقبين المعاصرين. لكن غموض المفهوم عمل فقط على زيادة الهيستيريا، وأعلن «جوست ميرلو»، الطبيب النفسي بجامعة كولومبيا أن «مينتيسيد» (تدمير قيم ومعتقدات الإنسان) يعد جريمة ضد الإنسانية، وأثارت الفكرة مجموعة من السيناريوهات الكابوسية، يبدو أن أسوأها تأكد عندما رفض 21 سجيناً أميركياً العودة إلى الوطن بعد انتهاء الحرب الكورية في يوليو 1953. وفي مجلة «ساترداي إيفينينج بوست»، تكهن الأميرال «دي في جاليري» بأن الشيوعيين قد استهلكوا قدراً هائلاً من الطاقة على غسيل دماغ أسرى الحرب الأميركيين لخلق شبكة من المخربين النائمين الذين ينتظرون التنشيط، وأضاف «جاليري» أن الصينيين زرعوا بذوراً عقلية كانوا يتوقعون أنها «ستترسخ» وتنمو في غضون سنوات إذا ما حدث كساد آخر في أميركا. لماذا كان الناس يأخذون عملية «غسيل الدماغ» على محمل الجد؟ ولماذا تمارس «قرصنة الانتخابات» إغراءً مماثلاً؟ وبالطبع فإن المخاوف بشأن التلاعب الخارجي ليست منفصلة عن الجهود التي تبذلها القوى الأخرى للتأثير على سلوك الأميركيين: لقد كانت سرقة وتوزيع رسائل البريد الإلكتروني للجنة الوطنية الديمقراطية أمراً حقيقياً بما يكفي، مثل الجهود الصينية للفوز بالمتحولين بين الأسرى الأميركيين في كوريا الشمالية، بيد أن «القرصنة الانتخابية» و«غسيل الدماغ» يتقاسمان الغموض يوفر التربة الخصبة التي تزدهر فيها نظريات المؤامرة، وعندما يكون كل شيء هو، أو ربما، شكلاً من أشكال «القرصنة الانتخابية»، تبدو التقنيات متناثرة بشكل مثير للقلق، وهذا، أيضاً، ما تفعله عوامل ظاهرة تنسب بشكل مختلف إلى المتصيدين الروس، وبوتات تويتر، وإعلانات الفيس بوك، والحماقة الأميركية بشكل عام. والقلق بشأن التكنولوجيا الحديثة يساعد أيضاً على تفسير انتشار المخاوف بشأن التدخل العقلي الأجنبي في الولايات المتحدة خلال الخمسينيات. في ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، كان الأميركيون يشعرون بالقلق ليس فقط من مكائد الكرملين، بل أيضاً من الطرق التي كانت الوسيلة الجديدة المتغلغلة تقرب الناس بها وفي نفس الوقت تحول غرف المعيشة إلى فقاعات معزولة. وتصل الخشية من التلاعب الأجنبي إلى كل المخاوف البشرية العميقة بشأن الاستقلال الذاتي الفردي، وقد يكون من المرعب أن نتصور العقل كشيء مطواع. ولعل أكثر التغييرات المفاجئة إثارة للدهشة هو السرعة التي فقد بها الأميركيون اهتمامهم بوحشية معسكرات أسرى الحرب وتحولوا بدلاً من ذلك إلى النقد الذاتي. سوزان إل كاروذرز: أستاذ التاريخ الأميركي بجامعة «وارويك» في إنجلترا ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»