اليهودي الملحد
لاحظنا أن ثمة انتقائية واضحة في الخطاب الديني الصهيوني، فهو يركز على الجوانب العدوانية في العقيدة اليهودية ويزيد الجوانب الإنسانية تهميشا. ولنضرب مثلا آخر وأخيرا على هذه الانتقائية، وسنأخذ هذه المرة مفهوم "بيكوح نيفيش" أي "احترام حياة اليهودي" وكلمة "نيفيش" تعني "نفس"، أما كلمة "بكوَّح" فتعني حرفياً "الوعي" (بقيمة الإنسان). وينطلق هذا التعبير من مفهوم تلمودي يشير حرفياً إلى واجب إنقاذ الحياة الإنسانية إن تعرضت للخطر، ولكنه يشير فعلياً إلى واجب إنقاذ حياة اليهود.
وقد دارت حرب بين الحاخامات في إسرائيل حول هذا المفهوم، إذ طالب حاخام السفارد الأكبر السابق عوبديا يوسف بالانسحاب من الأراضي المحتلة لإنقاذ حياة اليهود عملاً بمفهوم "بكوَّح نيفيش" هذا، وقد أيَّده بعض الفقهاء في رأيه واقتبسوا من العهد القديم من سفر التثنية الإصحاح 30، فقرة 19 "قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك". وقد اقتبس المعارضون لرأيه من سفر العدد، إصحاح 33، فقرة 52 ـ 53 "كلم بني إسرائيل وقل لهم إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان، فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم. تملكون الأرض وتسكنون فيها لأني قد أعطيتكم الأرض لكي تملكوها".وتبيِّن المقطوعة أن الأرض هي المطلق، والارتباط بها والحفاظ عليها يجبُّ كل القيم الأخرى، ومنها حياة اليهود أنفسهم، ويلاحظ أن كلا الفريقين الانساني والعدواني، أو المعتدل والمتطرف قد وجد في العهد القديم من الفقرات ما يساند وجهة نظره. وقد تراجع الحاخام عوبديا يوسف فيما بعد عن موقفه وانضم لفريق العدوانيين.
ويمكن القول إن هذه سمة خاصة بل وفريدة في العقيدة اليهودية التي تتميز بعدم التجانس بشكل حاد. فمن المعروف أن الأنساق الدينية التوحيدية مثل الاسلام والمسيحية، تتسم بقدر من التنوع في الممارسات الدينية وفي الأطروحات النظرية، ولذا ينقسم أتباع كل دين إلى شيع وفرق ومذاهب لكل تفسيرها، وقد تندلع بينها الحروب أحيانا. ولكن رغم هذا يظل التنوع داخل إطار مبدئي من الوحدة، إذ يوجد حد أدنى في الإسلام يشكل معيارا يمكن عن طريقه التفرقة بين المسلم وغير المسلم. فالنطق بالشهادتين عند المسلمين أمر أساسي لا اجتهاد فيه ولا اختلاف، والإيمان بالبعث واليوم الآخر هو أيضا جزء من هذا الحد الأدنى. فمهما بلغت الاختلافات، ومهما تصاعدت التناقضات، فإن هذا يظل معيارا أساسيا، ولا يمكن لأحد أن يسمي نفسه مسلما إذا أنكر وحدانية الله وأن محمدا رسول الله، وإذا أنكر اليوم الآخر والبعث. كما أنه لا يمكن أن يسمي أحد نفسه "مسيحيا" إن أنكر حادثة الصلب.
واليهودية في تصورنا تختلف عن الإسلام والمسيحية في هذا المضمار. خذ على سبيل المثال الموقف من شيء أساسي مثل الطعام المباح شرعا. تذهب اليهودية الإصلاحية إلى أنه من الضروري التخفيف من القيود الدينية في هذا المضمار، وبالفعل تم التخفيف من هذه القيود تدريجيا إلى أن تم التخلي عنها تماما، ولا تمارس أحيانا إلا يوم السبت. والأمر أسوأ بالنسبة لمسألة أخلاقية ومركزية وغير خلافية، مثل الشذوذ الجنسي. فاليهودية الإصلاحية والمحافظة لا تحرمه بل إن هناك حاخامات من الشذاذ ومدارس تلمودية (يشيفا) لتخريج مثل هؤلاء الحاخامات، وهناك معابد يهودية للشذاذ، كما تسمح المعابد الأخرى بحضور الشذاذ مع "رفقائهم" من نفس الجنس. ومنذ عامين تقريبا عقد أحد الحاخامات قران رجل شاذ على "رفيقه" أمام حائط المبكي!
ومن المشاكل الأخرى أن اليهودية عرفت اليهودي على أساس عقائدي (من يؤمن بالعقيدة اليهودية) شأنها في هذا شأن الإسلام والمسيحية، ولكنها على عكس هاتين العقيدتين تعرف اليهودي على أساس بيولوجي مادي (من ولد لأم يهودية) ولذا أصبح بوسع اليهودي أن يكون يهوديا وملحدا في ذات الوقت لمجرد أنه ولد لأم يهودية! وهذا أمر لا يوجد لا في الإسلام ولا في المسيحية، حيث تنتفي صفة الانتماء للدين إذا أنكر الإنسان وجود الإله، حتى لو ولد لأبوين مسلمين أو مسيحيين. وقد أدى هذا الوضع بدعاة اليهودية الأرثوذكسية الحاخامية مثل الحاخام ملتون بولين إلى القول إنه لا توجد يهودية واحدة، وإنما هناك يهوديتان، عقيدة اليهود الأرثوذكس من جهة والمذاهب والفرق اليهودية من جهة أخرى. ولكن ما يهمنا في هذا السياق هو أن دعاة كل مذهب يجدون ما يؤيد أقوالهم أو انحرافهم أو إيمانهم أو هرطقتهم إما من خلال نصوص يجدونها في التوراة أو من خلال تفسيرات يفرضونها على النص التوراتي. كما أن التراث التلمودي والقبالي يحوي من النصوص والقصص والإشارات والتلميحات الكثير الكثير مما يجعل من الممكن تبرير الشيء وعكسه، حسب هوى المفسر أو الحاخام أو اليهودي.
وفي محاولة لتفسير هذا الجانب اليهودي أذهب إلى أن اليهودية تشبه التركيب الجيولوجي المكون من طبقات مستقلة، تراكمت الواحدة فوق الأخرى، ولم تُـلْغ أية طبقة جديدة ما قبلها. وهي طبقات تت