مع الانهيار الواضح للمحادثات الأميركية مع إيران، يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه في مأزق لا مخرج منه بسهولة. تُظهر استطلاعات الرأي أن العناصر الرئيسية في ائتلافه الانتخابي الفائز بدأت تملُّ من الحرب وتشعر بالإحباط من تداعياتها الداخلية.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يشعر «الجمهوريون» في الكونجرس بالقلق أيضاً بشأن كيفية رد فعل الناخبين عندما يدلون بأصواتهم.وهناك عدة مجموعات مرتبطة بـ«الجمهوريين» يجب أخذها في الاعتبار، ولكل منها مخاوفها الخاصة.

أرادت نخب الحزب «الجمهوري» التقليدية شيئاً واحداً من الرئيس ترامب: حكومة أصغر وضرائب أقل. وبما أن ترامب لم يكن أبداً على صورة المحافظ الحقيقي، نظراً لسلوكياته الصاخبة والمثيرة للجدل أحياناً، كان هؤلاء المحافظون التقليديون مترددين في البداية في تبني ترشح ترامب. لكن عندما قلّل القيود التنظيمية على صناعاتهم، وخفض ضرائبهم، وبدأ في تقليل الإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية مع زيادة الإنفاق الدفاعي، انضموا إليه.
أكثر المجموعات تأثيراً على نجاح ترامب هي المجموعة التي يشار إليها الآن بأنصار «ماجا» (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً) - وهي تجمع متنوّع من ناخبين علقوا آمالهم على نجاح الرئيس ترامب. كثير من هؤلاء الناخبين كانوا سابقاً يُعرفون بأنهم «ديمقراطيون». إنهم أشخاص يشعرون بأن الاقتصاد المتغير تركهم خلف الركب، وفقدوا الأمل في أن يحققوا هم أو أطفالهم الحلم الأميركي، ويشعرون بأن صنّاع القرار في واشنطن تخلوا عنهم. لقد دعّموا دونالد ترامب عندما أخبرهم بأنه يفهم آلامهم وأنه وحده القادر على إصلاح ما هو خطأ من خلال إعادة ترتيب أولويات حكومتنا، مما يُمكن أميركا ومجتمعاتهم وعائلاتهم من «أن تصبح عظيمة مرة أخرى». 
كانت محورية حملته الوعود بإنهاء الإنفاق على «الحروب التي لا نهاية لها»، ومن خلال إعطاء أولوية لاحتياجات الأميركيين العاديين لجعل حياتهم ميسورة التكلفة. ولأن هؤلاء الناخبين «الجمهوريين» كانوا يثقون جداً بأداء الرئيس -حتى في الحالات التي تطلبت منهم تعليق حكمهم الأفضل- أظهرت استطلاعات الرأي أن 80 في المئة من «الجمهوريين» وأنصار «ماجا» الذين عرّفوا عن أنفسهم كانوا في البداية إلى جانب الرئيس بشكل ساحق مع بداية الحرب مع إيران.

هذا لم يعد هو الحال. وتظهر أحدث استطلاعات الرأي الآن أن نسبة «الجمهوريين» المعارضين لهذه الحرب ارتفعت من 11 إلى أكثر من 30 في المائة.
قد يكون أحد أسباب ذلك هو أن الإدارة جعلت الأمر يبدو وكأن هذا الصراع سينتهي بسرعة وبشكل حاسم. ومع استمرار أجواء الحرب في شهرها الثاني وارتفاع أسعار البنزين، وهو ما يؤثر على عدد من التكاليف النهائية، أصبح الناخبون قلقين. ولذلك تظهر أحدث استطلاعات الرأي أن أكثر من 50 في المائة من ناخبي «ماجا» يلقون باللوم على الحرب كونها سبباً في ارتفاع أسعار البنزين.

في مسألة ذات صلة، بينما احتفل «المحافظون التقليديون» و«المحافظون الجدد» بميزانية الرئيس -مع زيادات هائلة في الإنفاق الدفاعي وتخفيضات في «الإنفاق التقديري» على المسائل الاجتماعية- لم يستوعب ناخبو «ماجا» ما يعنيه ذلك بالنسبة لهم.

لم يلاحظ الكثيرون تصريحات الرئيس ترامب بأن الحكومة الفيدرالية لم تعُد قادرة على تحمل الإنفاق على رعاية الأطفال والرعاية الطبية (ميديكير) وإعانات الغذاء للأسر ذات الدخل المنخفض، قائلاً: «(لا يمكننا) إنفاق أي أموال على رعاية الأطفال لأن الولايات المتحدة لا تستطيع الاهتمام برعاية الأطفال. نحن بلد كبير. لدينا 50 ولاية، لدينا كل هؤلاء الأشخاص الآخرين. نحن نخوض حروباً. ليس من الممكن بالنسبة لنا الاهتمام برعاية الأطفال والرعاية الطبية (ميديكيد) والرعاية الطبية (ميديكير) وكل هذه الأمور الفردية».
لا توجد حتى الآن استطلاعات رأي حول هذه القضايا، ولكن تحديداً الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط -التي تشكّل الجزء الأكبر من ناخبي «ماجا»- هي التي ستتأثر بهذه التخفيضات، خاصة إذا سمح الكونجرس بحدوثها.

إنهم الناخبون الذين يحتاجون إلى رعاية أطفال ميسورة التكلفة للسماح لكلا الشريكين بالعمل. إنهم كبار السن الذين يعتمدون على الرعاية الطبية (ميديكير) لتلقي الرعاية الصحية التي يحتاجون إليها. وهم المزارعون الذين يستفيدون من برامج الإعانات الغذائية التي توفر لهم سوقاً مضمونة لمنتجاتهم.وهكذا، فإن الرئيس في مأزق لا مخرج منه. إنه يتعرض لضغوط من قاعدته ومن «الجمهوريين» الذين يترشّحون لمناصب في دوائر انتخابية تنافسية لإيجاد طريقة لإنهاء هذه الحرب قبل أن ينقلب المزيد من الناخبين ضدهم، وفي الوقت نفسه يحثه حلفاؤه على عدم الانسحاب وترك فوضى خلفه. سيكون الاختيار الذي سيتخذه مصيرياً.
*رئيس المعهد العربي- الأميركي، واشنطن.